الحكم الرشيد
ما هو الأساس الذي يقوم عليه الحكم الرشيد؟
الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الحكم الرشيد هو عملية نزع "القداسة" عن السلطة ونقلها للمجتمع والافراد، وهو مفهوم حديث النشأة، برز منذ الثمانينيات من القرن الماضي، وهو يعكس اساسيات الإصلاح والكفاية الإدارية في قيادة الدولة للمجتمع بسيادة القانون، ويسعى المجتمع من خلاله، في المقابل، الى مزيد من المشاركة وتفعيل نفسه مدنياً.
وباعتبار هذا المفهوم حديث النشأة وأحد إفرازات العولمة بحيث يفترض أن الدولة لم تعد الفاعل الرئيسي في العملية السياسية، فإنه يدلل على تحفيز الدولة للمجتمع المدني، بشكل يدعو الى العودة الى "ضوابط مجتمعية أخلاقية" لطرفي الوجود السياسي "الحاكم والمحكوم"، بشكل يزيد من فاعلية المجتمع المدني وتأثيرها في السياسات العامة للدولة.
والحكم الرشيد وفق ما عرفه برنامج إدارة الحكم في الدول العربية فهو: إدارة الحكم التي تعزز وتدعم وتصون رفاه الإنسان وتوسع قدراته وخياراته وفرصه وحرياته السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وهو قائم على مبادئ الإنصاف والمشاركة والشفافية والمسائلة وحكم القانون, وتتم ممارسته بواسطة مجموعة من المؤسسات التي تمثل الشعب تمثلاً كاملاً, وتهدف إلى تحقيق التقدم والتنمية من خلال تركيز الأولويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على إجماع مجتمعي واسع النطاق, يضمن إشراك الفئات الأشد فقراً وضعفاً في عملية صنع القرار.
لماذا يهدف الحكم الرشيد؟؟
يهدف الحُكم الرشيد إلى تعزيز وترسيخ مبادئ الديمقراطية ودورية الانتخابات والمشاركة السياسية والتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات الثلاثة وسيادة القانون وقبول الآخر والتوافق بين المكونات السياسية والاجتماعية واحترام الحريات العامة واحترام حرية التعبير والرأي, ومحاربة الفوضى والفساد والمحسوبية والواسطة, وعدم التمييز والإقصاء, وتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين كافة شرائح المجتمع, كما يهدف الحُكم الرشيد إلى تحقيق مصالح الشعب والعمل على تطوير المجتمع والسمو والرقي به, كما ويهدف الحُكم الرشيد إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي, والحفاظ على فاعلية النظام السياسي وقدرته على التعامل مع كافة المتغيرات والتحديات التي قد تتعرض لها بيئة عمل النظام السياسي سواء داخلياً أو خارجياً, كما أنه يهدف إلى توفير قنوات اتصال وتواصل بين الحاكم والمحكوم وفق الآليات التي يحددها القانون.
معايير الحكم الرشيد :-
يؤمن الحكم الرشيد سيادة ظروف مستقرة، ناتجة عن وجود أساسيات الحكم السليم، مثل: المساءلة، والمساواة، والمشاركة والشفافية، والقدرة على التأقلم والاستجابة للمتغيّرات المختلفة، علماً أنّ هناك العديد من المعايير التي وضعها البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، والتي تصلّ إلى تسعة معايير عامة، والتي سنستعرض أبرزها بشكل مفصل في هذا المقال.
حق المشاركة والانتخاب والتصويت
يتضمن حق جميع المواطنين في التصويت، وإبداء الرأي، والمشاركة الفعّالة والمباشرة في العملية الانتخابية، مع ضمان حرية الجماعات في تشكيل الأحزاب، والجمعيات، والنقابات التي تضمن الحريّات العامّة للإنسان.
سيادة القانون
لا بد أن يكون القانون مرجعية ثابتة وقوية لكافة المواطنين، وتعتبر سيادته هي الأقوى، حيث يقوم الحكم الرشيد على قوة التقاضي أو التحاكم، وما يتطلب ذلك من نظام قضائي نزيه، وكفؤ، وشفاف، ومستقلّ، وسرعة البت في النزاعات، بهدف تحقيق العدالة، وخاصة عند وجود انحرافات وممارسات غير مقبولة في المجتمع.
الشفافية
يدلّ هذا المعيار على تحقيق الكشف، والشفافية، والإفصاح، والوضوح في كافة التعاملات، ويتيح توفر كبير للمعلومات المختلف، وذلك من خلال فتح قنوات الاتصال الفعالة بين المواطنين والجمهور والمسؤولين والقائمين على الأعمال المختلفة في المجتمع والدولة، بحيث يضمن ذلك الحفاظ على حقوق جميع الأطراف، ويقلّل من تضارب المصالح، ويتيح للمواطن إمكانية الاطلاع على الأوضاع وفهم الواقع.
الاستجابة
يتمثّل ذلك في حسن وسرعة الاستجابة والتعاون، حيث يكون ذلك أحد السمات الأساسية التي تتصف بها البرامج والخطط الموضوعة لخدمة المواطنين من كافة الفئات والطبقات الاجتماعية. المساواة
لا بدّ من الحرص على تحقيق العدالة والمساواة فيما يتعلّق بتوفير الفرص لكافّة أفراد المجتمع، دون أية اعتبارات قائمة على أساس الجنس، أو المال، أو الدين أو غيره، أي أنّ تتمّ إتاحة الفرص بدون تحيز وبكل موضوعية، وتأخذ جميع الفئات حقّها.
الفعالية
أي إنجاز الأهداف، والقدرة على تحقيق كافة الأهداف الموضوعة في الخطط، وذلك من خلال استغلال الموارد بالأسلوب الأمثل لتحقيق ذلك. المساءلة والمحاسبة أي الرقابة على الموظفين والمسؤولين في الجهات العليا في الدولة، والحرص على عدم حدوث الفساد، والاحتكار، والاختلاس، وغيرها من الممارسات غير الأخلاقية.
النزاهة
تتمثّل في مجموعة القيم الأخلاقية الموجودة في مدونة السلوك المقبولة، مثل: الصدق، والأمانة، والإخلاص، والمهنية، وإدارة المصالح العامة، ومحاربة الفساد الإداري والمالي، والمحسوبية، والاحتكار، وغيرها من الممارسات غير المقبولة.
الرؤى الاستراتيجية
تتمثّل في جملة الخطط متوسطة وبعيدة الأجل التي يتمّ وضعها خصيصاً لغرض تطوير المجتمع والنهوض به، ويتمثّل في قائمة الطموحات التي يسعى الأفراد والمواطنون والمجتمعات والدول إلى تحقيقها من خلال تطبيق كافّة معايير ومبادىء الحكم الرشيد.
خلاصة:
لا مجال إذن لحكم رشيد دون مجتمع راشد، إذ لا وجود ولا تواصل لأحد دون الآخر. كم من تحديات نظرية وعملية تنتظرنا، والثورة تعطينا فرصة تاريخية لنكون مبدعين ومجدّدين لا ناقلين لوصفات جاهزة.