حماس كان يؤرقها سؤال الشراكة على أساس الديمقراطية التمثيلية وهي التي رفعت شعار "شركاء في الدم شركاء في القرار"، ولكنها واجهت فور فوزها معضلة رفض فتح تسليم مقاليد الحكم واللجوء إلى اعتماد الخيار الأمريكي "الفوضى الخلاقة"، والتقدم نحو الشراكة الذي أُحرز لاحقاً في وثيقة الوفاق الوطني ما زال مدار جدل بالنسبة للعديد من الأوساط، ولقي انتقادات وجهت إلى حماس بالانزلاق نحو مشروع التسوية، لذا فإن العديد اعتبروا أن حماس قد تقدمت باتجاه بناء ذاتها سياسيا عبر وثيقة الوفاق الوطني، وأنها امتلكت زمام المبادرة السياسية.
وهنا جاءت العلاقات الناظمة لحكم حماس فيما يخص سياستها الداخلية لتواجه ثلاثة أخطار في آن واحد: اعتقال الوزراء وأعضاء التشريعي من قبل الاحتلال، والإضراب العام في الوظيفة العمومية، وتصعيد وتيرة الفلتان الأمني ولكن بشكل سياسي، مما أدى إلى تطوره باتجاه اقتتال فلسطيني داخلي بين أبناء حماس وفتح .
وبغض النظر عن الأسباب ومن يتحمل وزرها إلا أن حماس عانت أثناء قيادتها للحكومة من تعامل الأطراف الفلسطينية معها، وكأنها خارج البيت الفلسطيني والكل داخل البيت، وعلى الرغم من محاولة الفصائل التمايز عن موقف حركتي فتح وحماس إلا أن أي مقيّم لطبيعة الحدث السياسي الفلسطيني يجد أن الفصائل الفلسطينية كانت أقرب بل وأحيانا متساوية ومتساوقة مع موقف حركة فتح أو على الأقل محاولة لاستغلال الظرف السياسي وتبيان عدم قدرة فتح أو حماس على قيادة المركب السياسي.
هذا الرفض الفتحاوي للشراكة أثَّر على منهجية حماس في الحكم، إذ إنه تم الاستعانة في هذه المرحلة بعدد من الموظفين المحسوبين تنظيمياً على حماس لإدارة دفة العمل في الوزارات، وبالتالي لم يكن بالإمكان في هذه المرحلة الاستناد إلى الكفاءة والخبرة فقط، إذ إن الالتزام التنظيمي لعب دورا كذلك نتيجة لحساسية المرحلة وطبيعة المهام المناطة بالأشخاص الذين تم توظيفهم، الأمر الذي شكَّل حتى يومنا هذا تصوراً لدى الشارع حول طبيعة التوظيف في الحكم.
واستطاعت حماس أن تثبت أنها قادرة على حكم الشارع الفلسطيني. فمنذ سيطرتها على الحكم في القطاع انتهت مظاهر الفلتان الأمني واستطاعت حماس وبفترة وجيزة لا تتجاوز الأيام أن تنهي مصطلح الفلتان الأمني من حياة الناس في القطاع.
وفي الضفة الغربية التي تشكل الركيزة الاستراتيجية للمشروع الوطني، حيث إنها محور الصراع، وتمثل الامتداد الوجودي والعملي لبقاء إسرائيل القائم على أسرلة المكان وذوبان الجغرافيا، فقد كان لسيطرة حماس على القطاع انعكاساته الاستراتيجية على حماس في الضفة الغربية، حيث واجهت خطراً وجودياً على الصعيد الاجتماعي والسياسي والمؤسساتي ما زالت تعاني آثاره.