مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-01-23
جدلية الثقافة والسياسة || التنسيق الأمني نموذجاً
جدلية الثقافة والسياسة  ||  التنسيق الأمني نموذجاً

إذا اعتمدنا أن ثقَّف تعني: علَّم وهذَّب وقوَّم, فإن الثقافة تعني التعليم والتهذيب والتقويم, وفي علاقتها بالمجتمع فإن الثقافة هي صناعة الوعي، ومن هنا فإن المثقف ليس موظفاً, وليس بالضرورة إيديلوجياً وإنما هو مخزون من الوعي والمعرفة والإحاطة، وجزء من نسيج مجتمع وطليعة رائدة، وبذلك المثقف فاعل ومتفاعل، ومن ذلك نتفهم أهمية "صناعة المثقف" عبر الإعلام كوسيلة رئيسة، وفي كل ذلك فإن اللغة معين صناعة المثقف، والسلطة أيا كانت تسهم في هذه الصناعة عبر أدواتها المتعددة وفي مقدمتها الإعلام.

 

وللخروج من قمقم السلطة في مساهمتها في صناعة المثقف نحتاج إلى تنويع أدوات التأهيل للمثقف، وتعدد البيئات الحاضنة له، على أن تسهم في ذلك سلطة رسمية وغير رسمية. وصناعة المثقف مشروع حماية للوطن والمواطن ,لأن المثقف " أول من يقاوم وآخر من ينكسر " عبر صناعة الرأي العام كتيار يرفض الهزيمة ولا يُدجن ضمن معركة المصطلحات والمعاني.

 

ولعل الثقافة الإسلامية كعقيدة من أكثر المصادر التي تؤثر في صياغة العقل البشري لمستوى انسجام الإسلام مع الفطرة البشرية، وكذلك مستوى التحريض الذي يزرعه في النفوس رفضاً للظلم، وكذلك فإن الثقافة الوطنية تلعب دوراً محورياً في صناعة الحالة الثقافية الرافضة لضياع الأوطان والخضوع للمحتل.

 

ومن نسيج الثقافة الإسلامية والثقافة الوطنية تنشأ الحالة الفلسطينية بخصوصيتها المليئة بالتحدي والعنفوان.

 

بينما السياسة إدارة شئون الحياة لأنها مشتقة من ساس، والسياسة بذلك تمثل جملة القرارات والعلاقات، وتؤثر الثقافة في السياسة بشكل كبير عبر نشأة مصطلحات كثقافة القرار ومنها السلطة الأبوية، وكذلك أثرت الثقافة في السياسة الفلسطينية فنشأت " ثقافة الشهادة " مثلاً.

 

ومن هنا تكمن خطورة الخلط بين الثقافة والسياسة والذي يكاد يماثل الخلط بين الغاية والوسيلة. فالثقافة أوسع من السياسة وتنتشر من ذلك مصطلحات في الثقافة السياسية أو السياسة الثقافية عبر تمازج الثقافات أو تقاطع الثقافة مع السياسة، وذلك عبر تأثير القوى الخارجية والإقليمية في الثابت الثقافي أو المتغير السياسي فنشأ ما يُعرف بالاستعمار الثقافي, وأبرز ذلك أمريكا وهيمنتها الثقافية على العالم في هذه المرحلة وانعكاسات هذه الهيمنة السياسية.

 

في القراءة الثقافية فلسطينياً تبرز ثقافة الثبات في مواجهة متغيرات السياسة وأحياناً لا تفهم الثقافة السياسة ومتغيراتها باعتبارها تناقضاً جوهرياً مع الثقافة وتأهيلها القائم على الوعي وضرورة الصبر، فالثقافة هوية، ومن هنا لا يمكن التعاطي مع الثوابت والمقدسات ثقافياً على أنها متغيرات، أما سياسياً فهناك أقوال أخرى.

 

وفي السياسة مثلاً يمكن القول: إن احتلال فلسطين عام 1948م ثم احتلال البقية عام 1967م، والقبول بدولة في حدود 1967م كقراءة سياسية، بينما ذلك في الوعي الجمعي الثقافي الفلسطيني لا يمكن قبوله، وتبدو الآية الكريمة " يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ " (يوسف: 87) أقرب إلى قراءة الوعي الثقافي وتأصيله بعيداً عن السياسة ومتغيراتها، وكأن القول هنا يا بني اذهبوا فتحسسوا من أراضي 1948م وكذلك 1967م ولا تيأسوا من روح الله، وبذلك تنشأ الهوية الذاتية للمواطن الفلسطيني بعيداً عن هرطقات السياسة وتعرجاتها الملتوية.

 

وفي إطار ترويج التناقض بين الثقافة والسياسة وصراع المصطلحات والمفردات ومعركة المعاني برز مصطلح " التنسيق الأمني "، ويجري الترويج له تحت مسميات سياسية بعيداً عن ثقافة صانعة الوعي، وما زالت تجري إلى الآن ملابسات ليست بريئة تحت مسمى " التنسيق الأمني " ويدافع عنها البعض في إطار المتغير الذي تفهمه السياسة وترفضه الثقافة في إطار عمق علاقتها مع الثابت.

 

ومن هنا تتقدم أيضاً الثقافة على الإعلام باعتبار الثقافة غاية تصبو لتحقيقها عبر وسائل عدَّة منها الإعلام لدحض وهزيمة مشروع التنسيق الأمني باعتباره رجساَ أصاب الشعب الفلسطيني وشوَّه تاريخه النضالي وإرثه الفدائي، ويتباين الموقف في ذلك بين عمق الوعي الثقافي الراسخ وتفلتات الساسة والارتهان لاتفاقيات عرجاء.

 

لذا فمن الضروري التركيز على الثقافة وصناعتها في مواجهة التنسيق الأمني كمشروع وليس كسلوك، وغاية مشروع المواجهة الثقافية لمشروع التنسيق الأمني صناعة الرأي العام الرافض أولاً ومن ثم المحارب لهذا السقوط (التنسيق الأمني)، ثم تحويل الرفض المقاوم إلى تيار شعبي ومدَّ جماهيري ليس فقط مجرد فعل نخبوي في صالونات الثقافة والسياسة.

 

ويقع مشروع المواجهة الثقافية لمشروع التنسيق الأمني في القلب وبؤرة التركيز من جَّل المشروع المقاوم والرافض للتنسيق الأمني، حيث لا يمكن الانتصار على مشروع التنسيق الأمني إلا بصناعة الوعي بخطورته وفساده وظلمه لشعب فلسطين ابتداءً، وهذا منطلق وشرارة التغيير، وذلك وفق القاعدة الفقهية " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".

 

كيف يمكن أن نحقق القدرة على إحداث الفعل في المواجهة الثقافية لمشروع التنسيق الأمني؟ سؤال مهم نتوقف أمامه للتأكيد على جملة من الحقائق والمآلات.

أولاً- نزع الشرعية بكل ما تحمل الكلمة من معنى عن التنسيق الأمني ,وإعادته إلى جوهره وأصله المتمثل في التعاون مع المحتل ضد أبناء الشعب الذي يقع تحت الاحتلال، وقد تم رفضه في مراحل النضال قاطبة فلسطينياً، و هناك شواهد كثيرة تؤكد ذلك ومنها مشروع روابط القرى الذي حاربه من يحللون التنسيق الأمني اليوم ويمارسونه.

ثانياً- التنسيق الأمني ليس جزءاً من اتفاق سياسي, والترويج له على هذا الأساس يجب دحضه وإلغاؤه ومحاربته ثقافياً وأخلاقياً ووطنياً قبل حربه أمنياً وسياسياً.

ثالثاً- الفصل بين التنسيق الأمني والتنسيق للشئون الحياتية المدنية فرق بينهما شاسع، ومطلوب التأكيد على ذلك تحقيقاً لمصلحة أبناء شعبنا وبعيداً عن الخلط المشبوه.

رابعاً- التعبئة الثقافية الرافضة للتنسيق الأمني عبر صناعة الوعي الفردي والجماعي بخطورة التنسيق الأمني وأضراره وقبحه, وذلك بتجريده في إطار معركة المصطلحات والمعاني من مصطلح فضفاض (التنسيق الأمني) إلى مصطلح يجسد التنسيق الأمني كعمالة وخيانة.

خامساً- تعبئة ثقافية إيجابية لصالح مشروع المقاومة وجدواه (صناعة ثقافة المقاومة) والتأكيد على جدارته وليس أدل على ذلك من غزة النموذج الذي أصبح رأساَ برأس في مواجهة الاحتلال ومقارعته في شتى الميادين، وبالتأكيد معركة بناء الجيل جزءٌ من هذه الاستراتيجية التي تحمل الأمل باندثار مشروع التنسيق الأمني.

سادساً- معركتنا الثقافية في مواجهة مشروع التنسيق الأمني ليس فقط في الميدان, وإنما في شتى المجالات ومحاور العمل فيها ثلاثة (استنهاض – مقاومة – تحرير).

 

وهذه الدوائر متلاحقة ومتوازنة، وكل محور يؤثر في الآخر ويتأثر به، ونقطة الانطلاق فيها الاستنهاض والتحشيد والفعل الثقافي.

 

والسياسة بمفهومها الأصيل بعيداً عن تلوناتها المشبوهة في القلب من ذلك، وكذلك الإعلام الدينامو والمحرك والموجه للمواجهة الثقافية، ووسائل الإعلام على تنوع أدواتها لتحقيق الانتصار في معركة المواجهة للتنسيق الأمني.

 

والمطلوب الآن/ إعداد وإطلاق استراتيجية وطنية شعبية ثقافية وسياسية وإعلامية متكاملة الأدوار لمواجهة التنسيق الأمني ودحضه وهزيمته.