مقال تم نشره قُبيل انتخابات يناير 2006م، أُعيد نشره في ذكرى الانتخابات
إن الفوز الذي ستحققه حماس في الانتخابات التشريعية المقبلة (يناير 2006م – ذي الحجة 1426هـ) لن يعتبر فوزا لحماس في فلسطين وحدها، ولكنه فوزا للخيار الإسلامي في العالم، خاصة هؤلاء الذين ينتهجون النهج الوسطي في العمل الإسلامي، ويرفع لواءه الإخوان المسلمون في العمل الدعوي أو الاجتماعي أو السياسي. بل قد يتعدى ذلك -إذا أحسنت حماس التعبير عن منهجها وتقديم برنامجها في صورة تتناسب مع طموحات وآمال الشعب الفلسطيني- إلى أن يكون فوزا عاماً بكل مكوناتها، حتى من غير المسلمين، بحيث تعبُر الأمة من هوة الاستبداد والفساد والتخلف إلى أفق الشورى (الديمقراطية الإسلامية) والتنمية العادلة والتقدم العلمي.
التقدير الموضوعي لتطورات الأحداث يقودنا إلى توقع فوز كبير لحركة حماس. يكون له انعكاسات واضحة سواء على صعيد المحبين لحماس الناصحين لها، أو أولئك الحانقين عليها المخاصمين لها، فالانفعال والرفض والصراع قد يطفو على السطح وما أرجوه ألا تبالغ حماس في المظاهر الاحتفالية و أن لا تكون العاطفة سيدة الموقف خاصة وإننا في أمس الحاجة إلى الهدوء والتعقل وعدم استفزاز الآخرين والدراسة المتأنية لما سيحدث و الشعور بالمسئولية الثقيلة و إرسال رسائل مطمئنة لأكثر من اتجاه بأن حماس لن تنفرد في الساحة وأنها على استعداد للعمل و التعاون مع الجميع من خلال تجسيد الوحدة الوطنية القائمة على الشراكة السياسية الحقيقية للمساهمة بشكل بناء في الإصلاح والتغيير.
وقبل الحديث عن المستقبل، ينبغي أولا أن نوجد تفسيرا لما سيحدث. فلا بد من الإيمان أن هناك إرادة شعبية واضحة تريد الإصلاح والتغيير عبر صناديق الانتخاب بطريقة سلمية على منهج الإسلام، بفهم الإخوان المسلمين المعتدل. وهذه الإرادة ثبت نضجها في انتخابات مصر وسيثبت في الانتخابات الفلسطينية، فلن يصوت الناس لحماس -كما يزعم البعض- لميول انتقامية أو عقابية لأحد؛ لأنه البدائل كثيرة غير فتح كفلسطين المستقلة والطريق الثالث والبديل ووعد وغيرهم و كان الناس يستطيعون الاختيار من بينها.
هذه الإرادة الشعبية يواجهها غياب إرادة جازمة تستجيب لها من جانب السلطة وفتح، وعلى أقل تقدير فإن هناك ترددا وتذبذبا وخلافا داخل السلطة في التعاطي مع إفرازات مرحلة جديدة.
ماذا يجب أن تفعل حماس؟
وعندما نُسأل: ماذا يجب أن تفعل حماس بعد هذا الفوز ووفق هذه المعطيات، وماذا سيكون دورها في المجلس التشريعي الفلسطيني.
إن حماس يجب أن تكون عند حسن ظن من انتخبوها؛ لأنها من تربة فلسطين وقدمت خيرة قادتها وأبناءها شهداء على طريق الحرية، وحماس بالتأكيد تعرف ما يشغل بال الجماهير الفلسطينية وما يهمهم.
ويمكن أن ألخص ما يجب أن يكون عليه موقف حماس ورؤيتها بعد الفوز بالتشريعي بالتالي:
أولويات العمل داخل المجلس التشريعي
أما الأدوار التي تقع على عاتق نواب حماس ومن يتفق معها في الرؤية العامة للإصلاح، فهي تحتاج إلى دعم كل المخلصين من أبناء فلسطين (مسلمين ونصارى). فمطلوب -على سبيل المثال- من العلماء والباحثين أن يقدموا للنواب مشاريع قوانين لطرحها، ودراسات حول قضايا فلسطينية مختلفة، ومطلوب من الجميع تقديم المعلومات التي تساهم في مجال كشف الفساد ومكافحته.
ويمكنني أن ألخص أولويات عمل النواب في الآتي:
أولويات العمل خارج المجلس التشريعي
أما أولويات العمل خارج المجلس فستكون في مقدمتها الأجندة المجتمعية، بحيث يتم استنفار طاقة المجتمع لصالح المشروع الإسلامي الواسع، وتحفيز الجهود الذاتية لتنمية محلية مستقلة، وابتكار وسائل جديدة للتواصل مع الشعب، والسعي إلى تأطير كل المحبين الراغبين في العمل مع حماس.
نعم إن هناك فرصا كبيرة ستنتجها الانتخابات القادمة أمام حماس، وأمام غيرهم من التيارات، وعلى الجميع استثمارها وتعظيم نتائجها.كما أن هناك مخاطر كبيرة وصعبة تهدد الوطن كله وتهدد مستقبل الأجيال، وعلى الجميع تلافيها وتجنبها.
ففي مجال الفرص نجد هذا الشعور الإسلامي المتنامي الذي بدأ من الثمانينات وما زالت به قوة دفع كبيرة ستزيدها الانتخابات القادمة وما سيظهر فيها من تأييد لمنهج حماس، ويجب تحويل هذا التأييد إلى طاقة عمل لإخراج الواقع من المأزق ودلك عبر تشجيع المشاركة المجتمعية وليس فقط السياسية. مع ضرورة إرساء قيم العمل والإنتاج والعدل والشورى والمحافظة على الوقت وإتقان العمل، كقيم إسلامية تعكس الالتزام الإسلامي. ويمكن على صعيد آخر تصحيح الفهم للمنهج الإسلامي الذي لا يفصل بين العبادات والمعاملات. مع الحرص على استنفار كافة طاقات الشعب الفلسطيني من العلماء والمفكرين في جو من حرية البحث والتجديد وإحياء الاجتهاد الجماعي لبحث كل الملفات الشائكة التي تتعلق بإدارة المجتمع. وهدا بحاجة إلى مصالحة عامة بين الالتزام الإسلامي القوي الذي يمارسه أبناء الحركة الإسلامية وبين العاطفة الإسلامية الجارفة التي يصعب على أفرادها التحول إلى الالتزام القوي داخل صفوف الحركة. وهذا يحتاج إلى ابتكار وسائل جديدة للاستيعاب والتأطير في دوائر قريبة من حماس. بمعنى آخر تحتاج حماس بجانب الدعوة النخبوية إلى الانطلاق نحو الأعمال الجماهيرية مع ضرورة إحياء الدعوة العامة، وبجانب التربية والتكوين داخل الحركة إلى ابتكار التربية الجماهيرية للمجاميع العامة. ولعل تجربة العمل الحماسي الجماهيري خلال الانتفاضتين يضيف إلى حماس الكثير.
كما تحتاج حماس إلى مزيد من الابتكار في مجال العمل الفني والإعلامي، من خلال زيادة الاهتمام بالكاسيت وإنتاج المسرحيات الملتزمة والأفلام الهادفة، والغناء الهادف والروايات التي تساهم في التقدم والرقي والحضارة ولا يكفي العمل فقط من خلال إذاعة الأقصى أو تفعيل تلفزيون الأقصى الجديد وإنما في الانتقال خطوة إلى الأمام في الإعلام العام الذي يمثل وجه فلسطين عالمياً ولا يمثل حماس كتيار.
باختصار حماس تحتاج إلى التعاطي مع المتغيرات الجديدة وإيجاد طرق التفكير العمل المبتكرة والخروج من مرحلة النخبوية إلى الفضاء الواسع. حماس لم تعد حركة معزولة بل إنهم كامتداد للإخوان أصحاب خبرة تاريخية، ومنهجهم يقوم على الإدراك العميق والتحليل الدقيق والتضحية. وطريقة الإخوان في العمل تقتضي التدرج في الإصلاح والتعاون مع الجميع –وحماس كذلك-و سبيل الإخوان في العمل يسعى إلى التغيير الحقيقي القائم على تغيير الشعوب والنفوس قبل تغيير الحكومات والسلاطين تطبيقا للآية الكريمة {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وهدا الأسلوب بالتأكيد لن يترك فرصة للاصطدام ويجب أن تسعى حماس للتغيير المتدرج البطيء.