مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-02-02
غزة .. عدوان جديد
غزة .. عدوان جديد

 

(51) يوماً متتالياً تعرضت غزة المحاصرة لنيران وقصف وتدمير غير مسبوق، حرق الأخضرَ واليابسَ، ودمر كل شيء إلا الإرادة والعزيمة، وفي المقابل لقَّنت المقاومة الفلسطينية عدوها دروساً وعبراً في إدارة فنون القتال حتى كان وقف إطلاق النار الذي جاء بعد مخاض دراماتيكي مقلق، تباينت فيه الانتماءات، وتعارضت فيه المصالح، وبدا وكأنه وقف إطلاق نار مؤقت لم يفضِ إلى ولادة وقائع جديدة أو قبولٍ من الأطراف كافة بنتائج العدوان وملحمة الصمود الأسطوري.

لقد جاء العدوان على قطاع غزة على شكل رغبة صهيوعربية في استئصال النموذج الموجود في غزة، على اعتبار ذلك نقطة ارتكاز لإنهاء مشروع ما يسمى بـ (الإسلام السياسي) في المنطقة عربياً، وكذا الخلاص من صداع صهيوني مزمن اسمه (قطاع غزة) على اعتبار غزة من أربكت الحسابات وأعادت رسم المعادلات، وقيضت التفاهمات من وجهة النظر الصهيوعربية، وزاد غرور الكيان الصهيوني شعوره المتزايد والمعلن أنه جزء رئيس من محور جديد يتشكل في الإقليم.

وجاء هذا العدوان الهمجي على قدر متزامن مع الرغبة الصهيونية المتزايدة في إنهاء هذا الصداع من خلال استغلال خطف وقتل الجنود في الخليل، والتدحرج المتسارع للأحداث مدخلاً للانقضاض على غزة وهي في أضعف حالاتها، حيث الغياب الرسمي عن إدارة شؤون غزة بغياب حكومة التوافق، وإدارة الظهر لغزة وأهلها. وما صاحب ذلك من إنجاز ورقي للمصالحة، وهذا لم يعجب الكيان الصهيوني ومن لف لفه مما دفعه لرفض التعاطي مع حكومة التوافق كإفراز لاتفاق المصالحة في الشاطئ في إبريل 2014م. وبالتأكيد شكَّل إغلاق مسار التسوية وإعلان انتهائه بشكل أو بآخر مزيداً من الاحتقان، حيث أصبحت كافة الخيارات المطروحة من إفرازات أسلو لا تلبي الحد الأقل من الأدنى في الحقوق الفلسطينية.

واكب ذلك بيئة إقليمية تتعاظم اليوم تدفع باتجاه فلسفة الاستئصال، حيث نشأت ظروف إقليمية جديدة لم تكن في عام 2012م، حيث آخر عدوان على غزة، مما سمح للكيان الصهيوني محاولة استثمار اللحظة بفقدان السند والظهير العربي للشعب الفلسطيني. بل أكثر من ذلك، محاولة استغلال علاقة حماس المتوترة مع بعض دول الإقليم ووصولها إلى طريق مسدود من أجل الفوز بالضربة القاضية وشطب غزة وإنهاء حالة الصداع المزمن.

ومن هنا فقد جاء العدوان غلى غزة في لحظة صعبة وقاسية على الشعب الفلسطيني، الذي يعيش مرحلة حصار ظالم غير مسبوقة، وواقع مرير على كل الأصعدة، وحيث الرغبة العارمة من أكثر من طرف في استئصال هذا النموذج، واجتثاث هذا الكيان الذي يجسد المقاومة شاخصة منتصرة ثابتة.

ما زالت تداعيات ما بعد العدوان قائمة، فالحصار ما زال يضرب أطنابه في كل زاوية في غزة، والتحول فقط من حصار معلن إلى سبل إدارة هذا الحصار، والإعمار ما زال كخطى السلحفاء في ظل رغبات الاسترزاق والخشية أن تعيد المقاومة بناء قدراتها، وما زالت المشاريع الكبرى كالميناء والمطار والممر الآمن في دهاليز الحسابات الضيقة للقوى الإقليمية والرؤى الفصائلية.

ومن القضايا الكبرى التي تراود ذهن أبناء غزة، ويهمس بها أهل السياسة والفكر، أن العدوان لم يتوقف بشكل بيَّن وواضح والخشية من تجدده قائمة لذلك ترى هاجس تجدد العدوان البربري الشرس قائماً.

إن القراءة المتأنية الموضوعية تقول. إن تجدد العدوان أمر مستبعد بشكل كبير، فدولة الاحتلال بدأت تشعر بعزلة جراء جرائمها في غزة، وهذا يؤثر على اقتصادها بشكل غير مسبوق.

أما داخلياً فإن أمام الكيان الصهيوني مرحلة عصيبة، إذ ثبت لدى قادة الكيان أنهم غير قادرين على الحسم الميداني، وهذا مخالف لما روّجوه سنوات، وما تمثله قوة الكيان العسكرية مقارنة بغزة الخاصرة الرخوة الضعيفة المحاصرة، خاصة في ظل دعوة إيزينكوت أن التفويض المطلوب للجيش في أي حرب قادمة هو احتلال كامل لغزة لضمان تحقيق الأهداف، وهو وفق القراءة التحليلية الإسرائيلية ما لا تقدر عليه إسرائيل سواء في جانبين الاحتلال ومواصلة البقاء، وهذا ما تعلن كافة مستويات القيادة فيها، فضلاً عن الإنشغال ببناء الجدر في باطن الأرض قطعاً للأنفاق التي كانت سلاحاً استراتيجياً في ملحمة غزة 2014م.

ولكن هذا ربما لن يمنع ذهاب الاحتلال وقادته لضرب غزة بشكل همجي، مع ضمانهم محدودية الآثار المترتبة على ذلك، خاصة مع تصاعد وقائع الأحداث واستشهاد رجال الأنفاق السبعة واختبارات مدى الصواريخ اليومي، وتصاعد شكوى المستوطنين في غلاف غزة من سماع أصوات حفر الأنفاق ممتدة عندهم (كما يزعمون) والحديث عن تهريب مستمر إلى غزة تخدم المقاومة، والتصريحات المتزايدة بخطورة التطور للضفادع البشرية صبت في إطار توقع متزايد لعدوان جديد على غزة، ولكن كل ذلك لا يقود إلى وقوع حتمي لهذا العدوان خاصة حال استحضار الصدمة التي تلقاها جيش الدفاع في العدوان البري، وما مثلت من هاجس جديد سحق الأسطورة وأذل الكبرياء وقلب المشهد وبعثر المعادلات.

فالوصول إلى هدوء في الجنوب كان ثمنه باهظاً وفادحاً، وليس من السهل دفع مثل هذا الثمن مجدداً، وأكثر من هذا فإن مؤشرات الدخول في حرب استنزاف والتي كانت متوقعة في الأيام الأخيرة للعدوان أمراً مربكاً لحسابات قيادة الكيان خاصة في ظل حكومة هشة يمينية وعلى ضوء قدرة الجبهة الداخلية على الصمود بعد أن حققت المقاومة قدرة على الإيلام والإرباك وإشاعة الرعب في صفوف الجمهور الصهيوني.

هذا عدا عن أن انشغال قيادة الكيان بلجان تحقيق تشمل القيادات العسكرية والسياسية خاصة بعد تقرير مراقب الدولة، ومعالجة الثغرات التي تم تحديدها في معركة 2014م، والدخول في معركة تفاوضية لاستعادة الجنود المفقودين في غزة، وكذا معركتهم الكبرى في القدس والأقصى وتهويده وتقسيمه زماناً ومكاناً، خاصة بعد اشتعال انتفاضة القدس وفعلها اليومي، خاصة عملية أبناء جبارين في ساحة المسجد الأقصى وإن كان فردياً وقدرته على إرباك نتنياهو وزمرته بشكل متصاعد.

أما على الجانب الفلسطيني فإن المقاومة ما زالت بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى ترميم مقدراتها بعد عدوان غير مسبوق، من حيث المدة الزمنية والعنف الاستئصالي. إضافة إلى الواقع الفلسطيني المعيشي القاسي للمواطنين جراء العدوان، وما صاحبه من إهلاك للحرث والنسل وتدمير البنية التحتية وتردي الخدمات الصحية، وتراجع مخيف في الظروف الاقتصادية وتأثيرات بيَّنة في الواقع الاجتماعي، خاصة بعد قرارات الحرب المدنية المعلنة في كافة شرائح المجتمع الفلسطيني من السلطة في رام الله. ولعل تأثيرات الواقع السياسي المرتكس أكثر حضوراً وتأثيراً في ظل حالة إحباط متزايدة في صفوف الشعب الفلسطيني جراء تعطل قطار المصالحة رغم إيقاد النار المتجدد عليها ولكنها ما زالت تمثل طبخة حصى، وللأسف لم تتحقق الشراكة الوطنية المأمولة على الرغم من صمود الشعب والنموذج المقاوم والتضحية الفريدة التي قدمها الشعب الفلسطيني مما يلقي بظلاله القاتمة على المشهد الوطني، وإن كان التقارب بين حماس وتيار دحلان يمكن أن يساهم في خطوات تقريب إضافية مع كافة مكونات المشهد السياسي الفلسطيني.

ومن جانب آخر فإن الموقف الأمريكي الذي يشعر بالحرج الشديد جراء عدوان (إسرائيل) وهمجيتها وفشلها في تحقيق الأهداف يجعل من الظهير الأمريكي صعب التحقق في هذه المرحلة، ولكن يطغى على المشهد صورة ترامب المصارع الذي يمكن أن يذهب بعيداً في دعم (إسرائيل) خاصة بعد عودة العلاقات بين تركيا وإسرائيل والذي كان متوقعاً أن يسهم في تخفيف الحصار عن غزة، وهذا بالتأكيد سيقلص احتمالية وجود أي عدوان جديد قريب على غزة.

وما لم تخطئه العين للأسف حالة اللامبالاة العربية والتي وصلت إلى درجة التواطؤ حيث شكلت هاجساً مريعاً للشعب الفلسطيني حال تجدد العدوان، والأمر يتجاوز ذلك إلى حد الشعور المتزايد بوجود رغبة في استئصال المقاومة الفلسطينية وشطبها من العقلية الفلسطينية خصوصاً والعربية عموماً.

وأخيــــــراً:

إن ما جرى من عدوان على غزة، وما رسمته المقاومة على تخومها من ملاحم بطولية خالدة جسدت صورة البطولة الفلسطينية المتصاعدة والكارثة، حيث الدمار المريع من جانب آخر.

من الضروري طمأنة الشارع الفلسطيني الغزي حتى لا يحدث تباين في المواقف أو تعميق لإحباط الشعب المتزايد، وليتحمل كلٌ مسئوليته بصراحة عالية وشفافية كاملة، مع التأكيد أن الوعود الشفوية لا مقام لها في عالم السياسة، وأن الاتفاقات الموقعة بدون ضمان دولي وازنٍ كزرع لم يستوِ على سوقه، لذا وجود وثيقة مكتوبة مع ضمانات واضحة ومسؤولة مهم لعدم تجدد العدوان.

المشهد القائم يدعو إلى لملمة الجراح وتعضيد الجسد الفلسطيني عبر البيت الفلسطيني الوطني الجامع الذي هو القاهرة ووساطة السفير العمادي بحاجة إلى إعادة ترتيب على أسس راسخة تضمن عدم العودة إلى الوراء، وعدم الإنصياع للتهديدات والإملاءات، ولقاءات خلال هذه الأيام تشكل بارقة أمل في الاتفاق على حكومة وحدة وطنية وتطبيق كافة ملفات المصالحة، مع تثبيت أن نهج المقاومة يؤتي أُكله كل حين بإذن ربه وهو طريق حقق نتائج بيّنة، مطلوب تثبيت المنهج وتعميقه وتوسيعه ليشمل الضفة الغربية عبر انتفاضة القدس التي ترسخ أقدامها، وعدم السماح لعدونا بالتفرد بالجغرافيا عدواناً ولا بالفصائل تمزيقاً وتفريقاً.