مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-02-24
فصائل المقاومة والحكم الرشيد
فصائل المقاومة والحكم الرشيد

يرتبط مفهوم الحكم الرشيد بأنه الحكم الذي يعزز ويدعم ويصون رفاهية الانسان ويقوم على توسيع قدرات البشر اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً ، ولا شك أن تحقيق التنمية والرفاهية في أي دولة مرتبط باستقرار هذه الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، والاستقرار أيضاً مرتبط بالغايات والأهداف السامية التي ينطلق نحو تحقيقها من يحكم، أو بالأحرى يمكن أن نقول إن نظام الحكم في الدولة ليس هو وحده من يوفر التنمية المستدامة أو الرفاهية الاقتصادية أو الاستقرار السياسي، فخلف نظام الحكم رجال دولة يخططوا ويرسموا الطريق نحو تحقيق الأهداف والغايات، وبطبيعة الحال فإن هؤلاء إذا أرادوا تحقيق التنمية والرفاهية والاستقرار  ينغي أن يحكموا ضمن معايير ومبادئ الحكم الرشيد التي تم التعارف عليها وتدوينها في الأمم المتحدة وهي تسعة معايير تتمثل في  المشاركة، سيادة القانون، الشفافية، حسن الاستجابة، المساواة، الفعالية، المحاسبة والمساءلة، النزاهة، الرؤية الاستراتيجية.

وكل هذه المعايير تسعى لتشجيع الحكم الرشيد من خلال تحقيق طموحات الشعوب التي بطبيعة الحال حين ترى هذه المعايير متحققة، تسعى لتعزيز نظام الحكم وإبقاءه قوياً طالما انه يحقق رغبة هذه الشعوب في التنمية والرفاهية والاستقرار.

ولعل الفارق هنا أننا سنتكلم عن حركات التحرر الوطني، التي تسعى لتحقيق أغلى ما تمتلكه الشعوب، ألا وهو الحرية، فلا توجد دولة حتى يتم تعزيز أو تحقيق مبادئ ومعايير الحكم الرشيد فيها، فهل هذا يعني أنه لا يمكن ان تنطبق هذه المعايير على حركات التحرر في وجودها كمكون أساسي ورئيسي لأي نظام حكم قائم؟

وبطريقة أوضح يمكن القول إننا كفلسطينيين نتمتع بحكم ذاتي على جزء من الأرض المحررة نظرياً والمحتلة فعياً وفق الاتفاقيات التي وقعتها السلطة الفلسطينية، وهذا الحكم الذاتي هو نتاج اتفاقية أوسلو. وليس الهدف من المقال أن نتحدث عن مدى تطبيق معايير الحكم الرشيد من قبل هذا الحكم، ولكن الهدف أن نتحدث عن دور حركات التحرر الوطني في فلسطين في تعزيز مبادئ الحكم الرشيد في بنيتها التنظيمية والمجتمعية وتأثيرها على الحكم الذاتي القائم في الضفة وغزة.

لا شك أن هناك خصوصية في الأعمال التي تقوم بها حركات التحرر، لأنه وبكل تأكيد هناك من يسعى لإفشالها ووضع العراقيل أمامها وعلى رأسهم الاحتلال الإسرائيلي، وبالتالي فإنه من شبه المستحيل أن تتمتع هذه الحركات بالشفافية التي من خلالها يمكن إتاحة المعلومات الكافية للشعب وخاصة في الأسرار التي يمكن أن تحافظ على بقائها فاعلة وقوية ، وإذا نظرنا لسيادة القانون وجدنا أن هناك قانوناً ثوريا استندت عليه فصائل المقاومة الفلسطينية في العديد من القضايا ، ومن الواضح أن مسارات القوانين العادية لا تتناسب مع فصائل المقاومة والتحرر الوطني، النزاهة والمساءلة لا يمكن تحقيقهما بحيادية من وجهة نظر كثيرين، وفي كل الأحوال تبقى المساءلة داخلية ولا يمكن أن تحقق هذه المساءلة النزاهة من وجهة نظر العديد من المؤسسات الحقوقية والقانونية والدولية.

ولكن يبدو أن الرؤية الاستراتيجية واضحة لفصائل المقاومة وحركات التحرر وضوح الشمس، وهي تحرير فلسطين، كل فلسطين من النهر إلى البحر، أما عن المشاركة فالشعب كله منخرط في هذه الفصائل ويشاركها سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة لتحقيق أهدافها، والفعالية واضحة من خلال إنجاز الأهداف المرجوة التي تسعى لتحقيق الرؤية الواضحة لهذه الفصائل، ولا يكاد يختلف اثنان على فعالية المقاومة وأثرها.

وفي ظل هذه المعطيات أترك الإجابة لكل من يقرأ في تحديد ماهية الحكم الرشيد الذي يمكن أن تحققه فصائل المقاومة وحركات التحرر، ولكن بكل تأكيد إذا ما أردنا أن نُسقط هذه المبادئ والمعايير من وجهة نظر الأمم المتحدة فإن هذه الفصائل ستكون أبعد ما يكون عن الحكم الرشيد، ولكن إذا أردنا أن نُسقط هذه المبادئ من وجهة نظر شعب عينه على الحرية فإن هذه الفصائل المقاومة أقرب ما يكون لإقامة دولة تحكم حكماً راشداً.