مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-02-24
البدائل الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية بين استراتيجية السلطة واستراتيجية "إسرائيل"
البدائل الاستراتيجية للمقاومة الفلسطينية بين استراتيجية السلطة واستراتيجية

أُعلن في مؤتمر بازل في سويسرا عام 1897م أي قبل ما يقارب من 50 عام من إعلان دولة إسرائيل عن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وأعلن أحد قادة الصهيونية حينذاك عن فكر استراتيجي لإعلان " إسرائيل " بعد 50 عام وبالفعل أعلن بن غوريون عن قيام دولة إسرائيل في عام 1948م من على أرض فلسطين.

توالت النكسات والنكبات العربية، وأيضاً توالت الانتصارات الصهيونية، وبين النكبات والانتصارات ضاعت أرض فلسطين، وهذا الضياع أساسه عدم وضوح الرؤية الاستراتيجية للقادة العرب وللأمة العربية والإسلامية فمنذ عام 1897 وحتى يومنا هذا لا يعرف العرب ماذا يريدون فضلاً عن عدم تبني استراتيجيات واضحة من منطلقات لا تتغير ولا تتبدل فتارة يريدون أرض فلسطين من النهر إلى البحر، وتارة يريدون دولة على حدود عام 1967م ، وتارة يريدون تبادل الأراضي ، وتارة يدرسون مقترحات قدمها رعاة السلام ، وتارة يوقفون المفاوضات ، وتارة يلوحون بالمجتمع الدولي وفي زمن بعيد أيدوا السلاح ،ومن زمن قريب نبذوا العنف ولحد الآن لا أفق واضح لما يريدون.

وبطبيعة الحال فإن التخطيط الاستراتيجي للدول يختلف بالكلية عن وضع خطة استراتيجية لمؤسسة أو شركة، فاستراتيجية الدول تحتاج إلى عقيدة راسخة وإلى رجال دولة قادرين على تحقيق ما يعده الآخرون بمثابة الحلم، أما عن فلسطين فالاستراتيجية فيها أيضاً تحتاج إلى تضحيات وإلى بذل الغالي والرخيص فضلاً عن الثبات على الحق في الأرض ومقاومة الاحتلال.

وبالنظر إلى الاستراتيجية التي تعتمدها إسرائيل نجدها ثابتة منذ م1897 لحد يومنا هذا والمتمثلة في إقامة الدولة اليهودية الخالصة لليهود على أرض فلسطين أو على الأرض العربية من النيل إلى الفرات عند بعض المتشددين منهم ، وتُسّخر إسرائيل كل الطاقات والإمكانيات التي من شأنها تحقيق هذا الحلم البعيد المنال في عقول العرب ، الممكن التحقق في عقول قادة إسرائيل، فإن الاستراتيجية العربية والفلسطينية التي تعتمدها السلطة تغيرت مرات عديدة ولعل آخرها كان دولة فلسطينية على حدود عام م1967 وبقيت السلطة تفاوض على شكل هذه الدولة وصلاحياتها ووظيفتها ما يقارب العشرين عاماً ، وبقيت إسرائيل تسير نحو الغاية الاستراتيجية من خلال خلق أمر واقع فجلبت ملايين اليهود من العالم وبنت آلاف المستوطنات على أراض الدولة المزعومة وأصبحت السلطة تطالب بإيقاف الاستيطان للعودة للمفاوضات دون أن تتخذ أي إجراءات عملية من أجل تحقيق غايتها الاستراتيجية في إقامة الدولة الفلسطينية.

وضعت إسرائيل لنفسها بدائل استراتيجية عديدة وأدارت ظهرها للمفاوضات، وكل هذه البدائل تحقق الرؤية الاستراتيجية لقادة إسرائيل المؤسسين، أما السلطة الفلسطينية فالبديل الاستراتيجي لها المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات.

وبين استراتيجية إسرائيل التي تتحقق مع الزمن، واستراتيجية السلطة التي تتراجع وتنحرف عن رؤيتها التي تبدلت مراراً وتكراراً، ظهرت استراتيجية فلسطينية جديدة، أثبتت نفسها وأضحت تساهم في تعطيل تحقق الرؤية الاستراتيجية لدولة إسرائيل، إنها المقاومة الفلسطينية، التي تبنت استراتيجية واضحة ورؤية ثاقبة، تمثلت في تحرير كامل تراب فلسطين من النهر إلى البحر وانطلقت من عدم الاعتراف بإسرائيل، وقبلت أن تقام الدولة الفلسطينية على أي جزء يتحرر من أرض فلسطين سواء بالمقاومة المسلحة أو المفاوضات كخطوة نحو الدولة الفلسطينية العربية الإسلامية الخالصة.

وبالتأكيد فإن وجود العقيدة والغاية، ووضوح الرؤية، وبناء الأهداف، وتحديد الوسائل والآليات، واستثمار الطاقات والإمكانيات لدى المقاومة الفلسطينية مكّنها من إنجازات غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، واستطاعت المقاومة باستراتيجيتها أن تقف عائقاً أمام الاستراتيجية الإسرائيلية التي بطبيعة الحال تأخر تحققها لفترات أبعد مما كان يتصور قادة الاحتلال.

وعلى المقاومة إذا أرادت النجاح في إنجاز مشروعها وتحقيق غاياتها أن تتبني استراتيجية مهمة وهي استراتيجية التوسع والانتشار، فتصبح أكثر عدداً وعتاداً وأكثر شكيمةً وبالتأكيد ستتدافع هذه الاستراتيجية مع الاستراتيجيات البديلة للاحتلال الإسرائيلي والتي يمثل أهمها تعزيز دور السلطة الوظيفي الذي أُنشأت من أجله في محاولة من الاحتلال لمواجهتها، أما السلطة فإذا أرادت أن تقف بجانب شعبها يجب عليها أن تتبني استراتيجية المقاومة كبديل استراتيجي ناجح لها وتدعم استراتيجيتها لتحقيق غايات شعبها وقطع الطريق على دولة الاحتلال.

إن أشد ما نحتاج إليه اليوم هو استراتيجية موحدة تضم كافة أطياف الشعب الفلسطيني، وهذه الاستراتيجية تحقق غايتها من خلال توحيد كافة الجهود من أجل تحقيق آمال الشعب الفلسطيني بإقامة دولته على حدود عام 1967 كمرحلة أولى والعمل على تحرير باقي فلسطين في مراحل أخرى.