|
تتسابق الحكومات حولَ العالم في إقامةِ ما يطلق عليه الحكومة الإلكترونية أو الحكومة الرقمية. ففي كلِ منطقةٍ من مناطقِ العالم من الدول النامية إلي الدول الصناعية المتقدمة، تضع الحكومات الوطنيةُ والمحليات بها المعلومات الحرجة علي الخط المباشر، وتستخدم الآلة لتبسيط العمليات التي كانت معقدة من قبل وتتفاعل إلكترونيا مع مواطنيها. ولم يعد كافياً أن ترتقي الحكومة الكلاسيكية بأساليبها لمواجهة التغيير بل أضحى من الضروري إعادة النظر جذرياً بنموذجها وابتكار نموذجاً آخر جديدٌ لها، تحول الشكل السلبي الغالب في الحكومة الفعلية إلي الشكلِ النشطِ الإيجابي والتفاعلي مع المواطنين ومؤسسات الأعمال، وهي "الحكومة الالكترونية" التي تعتبر النسخة الافتراضية عن الحكومة الحقيقية الكلاسيكية، مع فارق أن الأولى تعيش في الشبكات وأنظمة المعلوماتية والتكنولوجيا وتحاكي وظائف الثانية التي تتواجد بشكل مادي في أجهزة الدولة. ويرتكز مفهوم الحكومة الذكية على نقطة جوهرية وهي أن تقوم الحكومة بالوصول إلى الناس وليس العكس وأن يتم هذا الأمر من خلال هواتفهم الذكية والأجهزة والقنوات الذكية الأخرى. وعند التفكير في تطبيق الحكومة الذكية في دولةٍ ما، لا بد من دراسة لحالة هذه الدولة ومعرفة إمكانية نجاح هذا التطبيق، أم سيؤثر سلباً على الدولة وموظفيها ومواطنيها. هناك عوامل أساسية تساهم في نجاح تطبيق نظام الحكومة الالكترونية في الدول بكلِ ثقة، ومنها الراحة وتوفير المال: فمن المريح أكثر أن تدفع الفواتير أو تقدم الطلبات من خلال الهاتف الذكي، بدلاً من الذهابِ إلى المكاتب المعنية والانتظار في الطابور إلى حين يأتي دورُك ويتمكن الموظف المختص من إنجاز معاملتك، وهذا أمر بالغ الأهمية خصوصاً في المناطق المزدحمة والمأهولة بالسكان أو تلك البعيدة عن المراكز الخدمية .هناك سمة إيجابية أخرى تتمثل في توفير المال والوقت والجهد على جميع الأطراف المتعاملة بالحكومة الذكية، إضافة إلى تخفيض النفقات الحكومية فبدلاً من تشييد وبناء مبان قد تكلف الدولة ملايين الدولارات، يمكنها إنشاء مواقع إلكترونية آمنة للخدمات العامة بأقل التكاليف. الشفافية والحد من البيروقراطية عاملٌ آخر يساهم في نجاح تطبيق الحكومة الذكية، فعندما يتم تحميل السياسات والتشريعات الرسمية على شبكة الإنترنت، فإنه سيكون من الأسهل على المحللين والجمهور العام في جميع أنحاءِ البلاد تقييم ومناقشة القرارات الحكومية، وهذا الأمر بدوره يرتقي بمستوى الشفافية الحكومية ويخول الجميع للوصول إلى المعلومات بحريةٍ تامة، ويمنع الفساد بشكل فعال، حيث يستطيع المواطن الحصول على الخدمات في أي وقت خلال 24 ساعة يومياً من دون تدخل من جانب الموظفين، وفي هذه الحالة لا مجال لدفع الرشوة أو العمولة المباشرة إلى الموظفين والمسؤولين في الحكومة. وتعني الحكومة الذكية أيضاً بيروقراطية أقل، إذ إن المعلومات الرقمية يمكنها التنقل وبسهولة بين مكتب إلى آخر، من دون الحاجة إلى انتظار الوثائق الورقية. كما وتساهم الحكومة الالكترونية في زيادة مشاركة المواطنين في الحكومة، ويمكن أن يحدثُ هذا من خلال ربط المواطنين القاطنين بمناطقَ بعيدةً في البلاد بحيث يتمكنون من إرسال واستقبالِ المعلومات بطريقةٍ أكثرَ سهولة . والطريقة الأخرى تكون من خلال زيادة مشاركة الشباب في الحكومة، ويعلق بعض المدافعين عن هذه الفكرة بأن أجيالَ المواطنين الذين نشأوا مع الإنترنت والتقنيات الرقمية في حياتهم اليومية سيكونون أكثر اتجاهاً نحو المشاركة إذا كانت وسائل الاتصال تشبه الوسائل التي يستخدمونها في أنشطتهم الشخصية والمهنية، ويمكن بهذا المفهوم أن تزيدَ الحكومةُ الذكيةُ من التفاعلِ بين المواطنينَ من خلالِ توفير الفرصةَ لتبادل المعلومات وتفاعل الأشخاص الذين يشتركون في الاهتمامات والأفكار والمخاوف بغض النظر عن البعد الجغرافي الذي يفصل بينهم. ولا بد للدول التطرق الى العوامل السلبية التي تعيق تطبيقها، كالجرائم الإلكترونية، على الرغم من الجهود التي تبذلها الجهاتُ الحكومية لضمانِ أمن وسلامة البيانات الشخصية الخاصة بمواطنيها، إلا أن مواقعَ الإدارة الإلكترونية لا تزالُ عرضةً للهجومِ من قبل قراصنة الحاسوب "الهاكرز" والجواسيس من دول أخرى، الأمر الذي يعرّضها لمخاطرَ كبيرةً تكمن في التجسس على هذه الوثائق وكشفها ونقلها أو حتى إتلافها، لذلك لا تزال هناك مخاطر كبيرة من الناحية الأمنية على معلومات ووثائق وأرشيف الإدارات الحكومية، سواءً المتعلقة بالأشخاص أو الشركات أو الإدارات أو حتى الدول. والبنى التحتية المكلفة أيضاً معوقٌ آخر من وجهةِ نظر الحكومات، حيث يتطلب إنشاء نظام إدارة حكومية ذكية امتلاك جميع المواطنين أو أغلبيتهم اشتراكات في خدمة الإنترنت، ولذلك فإن وجود أجهزة توجيه وبنية تحتية للاتصالات تعد أدوات مهمة للاتصال بالمواقع الحكومة . كما أن هيئات ووكالات القطاع العام تحتاج إلى خوادم متقدمة وأنظمة أمن للتعامل مع كميات هائلة من المعلومات والتهديدات الإلكترونية المعقدة، لذلك فإن هذه المتطلبات والاستثمارات قد تكون مكلفة جداً وبعيدة عن متناول الاقتصادات الأقل نمواً. وأخيراً إن الزمن يتغير ويتطور، ولكل وقتٍ متطلباته واحتياجات التي تجعلنا مواكبين دائما للركب العالمي، وتوفير الخدمات الحكومية عبر الهواتف المتحركة هو المتطلب الحالي للجميع، و بالتعاون والتنسيق وحشد جميع الطاقات الوطنية، يمكن كسر المعوقات التي تحول دون تطبيق الحكومة، لذلك لا بد من أخذ زمام المبادرة وتطبيق هذا المشروع الحيوي المبدع الذي يخدم الدولة بكل أرجائها ويعمل على "إسعاد المواطنين" وليس فقط رضاهم كما قالت الحكومة الكورية. |