الحكم الرشيد مرتبط ارتباط وثيق بمفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والأمن والاستقرار، لأن أي مجتمع ديمقراطي يجب أن يكون أساسه احترام حقوق الإنسان، وحرية الرأي والتعبير والمحاسبة والشفافية وسيادة القانون والمشاركة والتعددية السياسية.
ويعرف برنامج إدارة الحكم مفهوم الحكم الرشيد في الدول العربية، بأنه الحكم التي تعزز وتدعم وتحفظ رفاه الإنسان وتعمل على توسيع قدراته وخياراته وحرياته كافة، وهو قائم على مبادئ الإنصاف والمشاركة والمسائلة وحكم القانون، وتتم ممارسته من خلال بعض المؤسسات التي تمثل الشعب تمثيلاً كاملاً، ويكون هدفها تحقيق التقدم والتنمية من خلال إجماع مجتمعي واسع النطاق يضمن شراكة الفئات الأشد فقراً وضعفاً في صنع القرار.
وكي يكون الحكم الرشيد ذو فعالية ايجابية، فإن تحقيقه يتطلب تعاون واتصال بين مؤسسات الدولة وبين المؤسسات المجتمعية المحلية، وبذلك تقوم كل جهة بالمهام المنوطة بها للوصول إلى أهدافها من خلال تنسيق الأدوار والوظائف وتبادل المعلومات والمشاريع والخبرات، والحُكم الرشيد له أهداف، منها تعزيز وترسيخ مبادئ الديمقراطية والمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة وسيادة القانون، وقبول الآخر والتوافق بين المكونات السياسية والاجتماعية واحترام حرية الرأي والتعبير، ومحاربة الفوضى والفساد والواسطة وعدم التمييز والإقصاء.
كما يهدف لتحقيق المساواة وتكافؤ الفرص بين شرائح المجتمع، وتحقيق مصالح الشعب والعمل على تطويره والرقي به، اضافة إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، كما أنه يهدف إلى توفير وسائل اتصال بين الحاكم والمحكوم وفق الآليات التي يحددها القانون.
ومن هذا المنطلق يمكن طرح التساؤل التالي، هل يمكن اعتبار الحُكم في فلسطين حُكماً رشيداً ويعتمد على المعايير سالفة الذكر في الحُكم؟
فمنذ اللحظة الأولى للانقسام الفلسطيني سقطت كل القيم والمعايير، وغابت معها معالم الحُكم الرشيد بشكل عام في فلسطين، حيث عمل الانقسام على ايجاد حكومتين، إحداهما بالضفة والأخرى في قطاع غزة، وبالرغم من تشكيل حكومة الوفاق الوطني، الا أن قطار المصالحة الفلسطينية يراوح مكانه فيما فشلت كل محاولات انهاء الانقسام المدمر، بسبب غياب الثقة المتبادلة بين فتح وحماس، والخلاف الملازم لمختلف مراحل الانقسام حول الكثير من القضايا العالقة، فيما تعلو فقرات التراشق الاعلامي لدى الطرفين بين الفينة والأخرى لتقضي على بعض الآمال التي يعلقها المواطن الفلسطيني، في ظل عدم حل أي مشكلة من مشاكل الوطن سواء بغزة او الضفة.
إن غياب معايير وأسس الحُكم الرشيد ساهمت بشكل كبير في توفير بيئة وأرضية خصبة لحدوث واستمرار الانقسام وتجذره، حيث زادت حالات الفقر والبطالة وانتشار الجريمة وتفاقم المشاكل المجتمعية وغيرها، إلى جانب غياب دور الفصائل الفلسطينية الذي أعاق كل الجهود المبذولة لإنهاء الانقسام وإتمام المصالحة، والمطلوب هنا إتمام المصالحة كونها هدف استراتيجي وضرورة وطنية يتطلب على الجميع السعي جاهداً لإتمامها وإنجاحها، كما أن تطبيق الحُكم الرشيد ضرورة ومصلحة وطنية تؤسس لنظام حُكم ديمقراطي يؤمن بالمشاركة والتعددية السياسية وقبول الآخر لتكون نقطة انطلاق نحو بناء الدولة الفلسطينية .