الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على الرسول الإمام محمد (صلى الله عليه وسلم) وبعد،
إن فن التوغل في مسالك العمل والانسياب الواثق يجيده من أيقن بأن النجاح حليف الصادقين وأن المستقبل للمخلصين.. يمضي قدماً بلا التفات للوراء حيث الإغراء بالنكوص.. والهم بالتراجع. عدا التفات المهندس المتقن البارع كلما أنجز خطوة التفت وأبصر ما قد يكون من نتوء أو هبوط أو نشاز فيعود يُشذب ويهذب وينحت ويستبدل ويملأ الفجوات.
كذلك العمل العام الجماعي كلما توغلت مسافة احتجت لوقوف لرؤيته من زواياه فتكمل النقص النوعي وتلائم المختلف وتسد الفراغ وترد الزائد وتبرز المغمور وتضبط التوازي.
فالعمل كقافلة سائرة كلما قطعت شوطاً أو تقدمت مرحلة خرج عنها القائد وهي مستمرة في توغلها، فاستعرضها، وفتش رباط الأحمال، وانتباه الحرس والتقط الساقط، وقارب بين البعيدين، ومن هنا كان التقويم الدوري عنصراً هاماً من عناصر التنفيذ في الخطة العامة وجزء أصيل من النهج السليم والتخطيط القويم والتأكيد على ضرورته لشدة ما أغفله واقع العمل العام اليوم.
والرقابة جزء هام وفاعل من مسيرة العمل المنظم المترابط، حيث تأتي سابقة للعمل في محاولة للتأكد من حسن الإعداد والجاهزية للانطلاق. كما تأتي كذلك متزامنة ومصاحبة للعمل كي تكشف الثغرات وتقيل العثرات لحظة وقوعها حيث الاستدراك السريع والنهوض العاجل لتلافي آثار الأخطاء ونتائجها. وهي لاحقاً حال الانتهاء من التنفيذ تعيد النظر فيما تم إنجازه وفيم تحققت أهدافه ليكن اليقين بتحقيق الأهداف وإنجاز الخطة كاملة.
والترابط لذلك بين التخطيط والرقابة والتقييم لازم حيث أساس المتابعة الدقيقة والتقيد الجيد بحسن الأداء. وحال المقارنة بين التخطيط والتنفيذ ضرورة كشف الثغرات والثلمات لتصحيحها واكتشاف موطن الخلل فإذا حمل التخطيط خللاً كان قرار التعديل في الخطة كي تواجه مستحقات الواقع بعيداً عن تفاؤل مفرط أو تشاؤم مُغرق – وإلا فالتعديل يستحقه التنفيذ مع ضرورة التأكد عن موطن الخلل هل بسبب مباشر من المنفذين أم بطارئ أحدث تجاوزاً وكلٌ بحاجة إلى أسلوبه الخاص وطريقته الفضلى في التعديل والتحسين.
علاوة على أن دراسة الأخطاء ومعالجتها من خلال منهاج الله تبارك وتعالى ووعي الواقع يجعل من الأخطاء مدرسة عظيمة في حياة الصادقين. وهذه صورة التدريب المستمر في مدى تحمل الرعاة مسئولياتهم ومدى التزامهم بقواعد العمل الرصين ونهجه ونظامه الأكاديمي والإداري بوضوح وصدق، والصدق والوضوح أسس الإيمان والتقوى علاوة على أنها جوهر الأدب والإخلاص ومن ثم أسس المعالجة والإصلاح.
والتحذير هنا ضرورة من سلوك خاطئ يخلط بين المتابعة والتقويم وتتبع العورات والرغبة في كشفها "إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم". والعورات التي لا يجوز تتبعها هي ما لا يؤذي المسلمين ولا العمل العام وهي عيوب سترها الله على عبده فلم يفضحه بها فيأتي المسلم ويتتبع ما خفي ليكشفه ويعلنه.
إن هذه الظواهر الحيوية تعلمك أن تقدم العمل في تطبيق خططه المرحلية ليس سباقاً نحو الهدف البعيد، وإنما يستطاع فيه الوقوف بعض الأحيان لمراجعة الرصيد ورؤية الثغرات الحادثة وسدها. فالعمل لا يكفي فيه ضرورة تعلم الإصلاح العام بل لا بد من استدراك تعالج فيه الأعراض الجانبية السلبية لعملية الإنجاز الملموس.
نحن مع نهاية عام أكاديمي في مسيرة أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا، نستذكر أنه قد تكرست إلى حد ما معاني التخطيط العميق والتنفيذ الدقيق في شح من الإمكانات، مع تحليل البيئة بشقيها الداخلي والخارجي بتحديد نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر، ومع ملامسة عالية لمساحات العمل المطورة للإنسان، وهذا ما تجسد سلوكاً في ملامح الإنجاز الإستراتيجية سواء هذه الأكاديمية الرائدة التي نخال أحياناً أنها لا تصلح للتطبيق لكثير المحاولات السابقة التي لم تكتمل، ولحاجتها للصبر الجميل والنفس الطويل وعدم تعجل الثمرة قبل أوانها، ولذلك مثلت إنجازات الأكاديمية في الفكر الاستراتيجي المخزون الاحتياطي والرديف المستقبلي لتطوير القوى البشرية الفلسطينية لبناء رجال دولة في قضية تحرر وطني الصراع فيها ممتد عبر الأجيال.
وانطلقت أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا في التخطيط للعمل النوعي؛ فالهدف هو الوصول إلى جيل فلسطيني قيادي متميز ريادي كي تكتمل الصورة في فلسطين بجغرافيا وقيادة، ومن أجل ذلك تم تجهيز كافة الموارد المتاحة رغم شحها وأساس ذلك المورد البشري وكذلك الموارد المادية والمعلومات؛ وتم إعداد فريق عمل متكامل نسبياً ومتجانس وُظف كلٌ حسب إمكاناته ليؤدي دوره في هذه المسيرة.
ونحن نطوى عام 2015-2016 في مسيرة أكاديمية الإدارة والسياسة ونقترب من افتتاح عام جديد؛ نؤكد أن الفترة القصيرة مليئة بالدروس العظيمة في الإدارة والتخطيط والإعداد تدفعنا أن نساهم في تأسيس مرحلة جديدة من التأهيل الأكاديمية والبحث في أعوام فلسطين القادمة. فهل من باحث مجتهد ومثابر متميز وموهبة واعدة ليشمروا عن ساعد الجد ويشحذوا هممهم وأقلامهم ويساهموا بجهدهم كي نضع جميعاً قواعد وأسس مسيرة بناء رجال دولة من أجل فلسطين الإنسان و الأرض.
بوركت الأفكار والهمم والجهود والسواعد التي منحت عامنا مزيداً من الرقي والحضارة.
بوركت أكاديمية الإدارة والسياسة، وبورك باحثوها الرائعون وبورك كادرها الأكاديمي والإداري، وإلى الأمام على مسار النخبة لبناء رجال دولة.