بدأ الليل يرخي سدوله ويقترب نظام منع التجول الليلي من الحلول.. أنفاس طاهرة مجاهدة تركت بصماتها في شتى ميادين الجهاد والمقاومة، كانت تعيش لحظات تفكير عميق ورحيل بعيد عن واقع مليء بالتناقض والجبن والخور..
كان في هذا اليوم العشرين من أبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعون، قد أتم (أسد المقاومة والفدائية) أربعين يوماً يطارد أعداء الله تبارك وتعالى في شتى الميادين، يخرج لهم كابوساً يوقظهم من أحلامهم المعسولة بالسيطرة على فلسطين وشعبها واستلابها لقمة سائغة.. لا لن يكون هذا طالما هناك عرق ينبض لأسد المقاومة وإخوانه المجاهدين.
كانت الأعين تترصد كثيراً هذا الأسد الهصور كي يرتاح يهود في أحلامهم حتى قدمت إلى الموقع الفدائي المتقدم الذي تحصن فيه (أبو يحيى) ما يقارب ألفـي جندي إسرائيلي مدججين بأسلحتهم، وحاصروا حي التفاح بأكمله حيث التجأ الفدائي الأشم.
تلفت (أبو يحيــــى) حوله وهو يرقب هذا الحصار ومئات الجنود يتقاطرون نحو خندقه ويخشـــــون التقـــــدم، يرقب كل ذلك وهو يبتســــــم بسخرية فما يملك سوى مسدسه الشخصي فقط، ولكنه يقرر المواجهة.
فيقفــــز من بيت إلى آخر حتى التقـى في أحد البيوت بأربعــــــة من مطاردي صقور فتح قرروا تسليم أنفسهم، طلب منهم منحـــه السلاح الخاص بهم، واحتضن الفارس ثلاث رشاشات كلاشنكوف ومسدســـــه وبدأت المعركة التي استمرت سبعــــة عشرة ساعة كاملة أخرج (أبو يحيى) كل ما في جعبته من فنون العسكرية والمواجهـــــة التي شربها منذ لحظات الإشراق الأولى لحياته الحافلة بالجهاد والفدائية والتضحيـــة، وخرج من هذه المعركة أكثر فوزاً من كل معاركه السابقة، فقد نال فــــوزه الأخير وحقق أمنيته الغالية باستشهاده العزيز بعد أن نال من أعداء الله والوطن والشعب.
فقد سقط صريعاً رجل المخابرات المدعو (أبو عدنان) إضافة إلى ثلاثة ضباط آخرين كما اعترف بذلك ضابط عسكــــري زار (حي التفاح) بعد المعركة، والتقى مختار المنطقة الذي شكا له بشاعة القصف الإسرائيلي، فقال : " أن حي التفاح بكامله لا يعوض خسارتنا بفقدان (أبي عدنــــــان) وثلاثـــــة ضبــاط آخرين.
إن ما حدث في (معركة التفاح) أشبه بالأسطورة التي لا يصعب تصورها، فالطائرات تقذف حمم صواريخها نحو البيوت التي يتنقل بينها (أبو يحيى) برشاشه الهدّار ومسدسه يخوض هذه المعركة، ويدافع دفاعاً مستميتاً، فيجرح منهم ويقتل، تلك كرامة عظيمة ينالها (أبو يحيى)، فيما بيوت حي التفاح بقيت شاهدة على بشاعة احتلال القرن العشرين حيث هدّمت ما يقرب عشرين منزلاً قصفاً بالصواريخ، وقد أصاب أحدها الجسد الطاهر ليشطره في لحظة أسطورية خالدة، لم يكن لينالها إلا أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فقد كان أبو يحيى دوماً في استباق نحو لحظة الخلود، يجهز أهله لهذا الرحيل الكريم، فطالما ردد على مسمــع زوجه إذا تنامى إليك نبأ استشهـــادي استعيني بالله، مردداً قوله الله تعالى : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون...".
ودائماً يردد لإخوانه : " اسألوا الله تبارك وتعالى أن تروني شهيداً لحيتي مخضبة بالدماء "، وكم حث إخوانه ومعارفه على الدعاء له أن ينال الشهادة.
فها هي الشهادة تزحف نحوك وتتلقاها بكل الفخر والإعتزاز، وها هي لحيتك الطاهرة مخضبة بالدماء شاهداً حياً على فدائية (أسد المقاومة)، ومعلماً بارزاً على أن موازين القوى لا تحكمها معادلات مادية وحسب، وإنما أساس ذلك إرادة حرة في القتال، واخلاص نقي لله تبارك وتعالى في المواجهة والتحدي، فلم يكن استشهاد (أبو يحيى) خبراً عادياً، فهو رجل المرحلة الذي لا يشق له غبار، قد كان بحق أسطورة فن العطـــــاء، لقد اشـــترى الآخـــــرة وسعى لها سعيها وهو محسن، لذلك ما هادن أو جبن أو تراجع.
يوم أطل على الدنيا في الثامن والعشرين من أبريل من العام ألف وتسعمائة وستين ميلادية في حي الشجاعية، كانت اطلالة شموخ وعز واباء، من تلك اللحظة، لم يكن ليعرف السكون والقعود إلى قلب (أبي يحيى) سبيلاً، كان كتلة من النشاط والحيوية والعطاء، أحب الخلوة رغم طفولته، فالتجأ إلى الأحراش ناظراً متأملاً في آلاء الله ونعمه، ارتاح كثيراً للخضرة والأشجار عدا عن ولعه بالورود خاصة نبات الزنبق.
كم مرة منعه (الحاج أحمد) من هذه الخلوة وضربه لذلك، ولكن في كل مرة كان (أبو يحيى) يعاود، كان يغذي روحه ويقذف فيها حلاوة لا يتذوقها في دنياهم، وقد اكتسب (أبو يحيى) في طفولته تلك الجرأة والقوة والشجاعة والبأس.
وربما كانت هذه الشخصية بتلك الخصائص هي السبب المباشر في توقف دراسة (أبي يحيى) حتى نهاية المرحلة الإبتدائية، ولكن ذلك لم يكن عائقاً في أن يتتلمذ (أبو يحيى) في مدرسة الحياة المتنوعة الدروب، فشق طريقه نحو المهن المختلفة وبرع في التجارة وفنونها. وفـــــي سجـــن الاحتلال أكمــــل تعليمه فأتقــــن فنـــون الكتابـــة والقراءة والإعداد والإلقـــاء.
هذه الشخصية المقدامة دفعت دوماً إلى المبادرة واتخاذ القرار وفق الحدث، فنشأت في ثنايا هذه الشخصية قائد متميز قادر على المواجهة والتحرك بشكل ميداني فذ.
كان (أبو يحيى) طوال حياته عاشقاً للبندقية متمترساً خلف رصاصات الجهاد والاستشهاد، كان يبحث ليله ونهاره عن الثورة والثوار كي يلتحق بركبهم.
ولمّا كان (أبو يحيى) صاحب عقيدة إسلامية، وفكر خالص فقد التحق بصفوف المجاهدين في (حركة الجهاد الإسلامي)، وكان يرى أن الجهاد فرض عين وحيثما سنحت الفرصة، للعمل العسكري، فلن يتردد في اقتناصها. وإثر انتمائه للخلايا العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي، فقد اعتقل ليقضي محكومية بلغت سبع سنوات، وكان ذلك قبيل الإنتفاضة الفلسطينية الماجدة، وكانت خلالها قد تشكلت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وأودع أبناؤها في السجون، وفي داخل غرف سرايا غزة المركزي التحق بصفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتحق بصفوف (جماعة الإخوان المسلمين).
كان (أبو يحيى) يرنو في كل ذلك إلى توحيد الجهود وبناء متكامل متين على أساس من العقيدة الإسلامية الصافية، ولم يكن يرى في كل ذلك أي اختلاف بين وجهات نظر العمل الإسلامي، ولكن همه الأول الجهاد وإشراع البندقية في وجه الغطرسة الإسرائيلية التي حجبت عنه وطن الآباء والأجداد. فكم حاول الرحيل إلى (زرنوقا) قريته الأصلية التابعة لقضاء الرملة، رحل إليها زائراً كي يقف على أبوابها وتلالها وهضابها ومروجها.
وكم رحل من خلف القضبان ببصره النافذ نحو القدس (مدينة السلام) ودرة الوطن المسلوب، ترى هل أرحل يوماً إلى رحابه الطاهر كما عيوننا ترحل كل يوم، ترى هل يضمني حضنه الدافىء.. آه كم أعشق الرحيل إلى (الأقصى)، كم أعشق أن يضم (الأقصى) رفاتي الأخير، وأن يخضب دمي (ساحة الطيب) المبارك. كانت الليالي تذوب والأيام تنصهر لتغيب أيام المحنة في الذاكرة ويبقى غرس الإيمان والجهاد ينمو ويشتد ويقوى على الاقتلاع.
وفي غمرة فرحة (آل الشوربجي) بالإفراج عن (أبي يحيى)، بادر المجاهد العملاق إلى البحث الجاد عن (كتائب الشهيد عز الدين القسام) الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس). وفي الوقت ذاته كانت القيادة العسكرية للكتائب قد تحركت بخطوات جادة للاستفادة من الخبرات العسكرية للمجاهد المقدام الذي لا يُشق له غبار.
فقد كان (أبو يحيى) حقاً يملك كل مقومات الرجل العسكري، فاحتل فوراً موقعه المتقدم في خندق المواجهة الأمامي، فغدا من لحظته الأولى (رقيباً) في (كتائب الشهيد عز الدين القسام).
لم يكن (أبو يحيى) يرى ذلك إلا مرحلة لابد منها من أجل مواجهة قوى الظلم والظلام التي تحكم حصارها لخنق صوت الإسلام المتنامي، وكانت عقيدة قد رسخت في كل قطرة دم أن الجهاد تكليف رباني، وأن النكوص عنه تراجع وجبن وخور وتخلـــــي عن ركن من أركان الإسلام تماماً كالتخلي عن الصلاة، هذا عدا عن التكليـــــف الذاتي، فالجهاد في ســـــبيل الله سبيل لرفع الرايــــة واحقاق الحق، وازهاق الباطل.
لم يكن (أبو يحيى) يرى أن هذا تكليف فردي، بل هو تكليف جماعي، ولابد من الاستعداد لخوض المرحلة الحرجة بمزيد من الصلابة والبأس والجهاد، فتراه يخــــــرج بعد صــــلاة الفجـــــر التي ما انقطع عنها ينطلـــق مــــن المسجـــــد مع الشباب المسلم عــــدواً علـــى الأقدام حتى يصل مقبـــــرة الشهــــداء على الخــــط الشرقي (حيث وورى جثمانـــــه الطاهـــــر هناك)، فكان في ذلك يحقق العديد من الأهداف، بناء الجسد المسلم المتين، وزيارة المقابر تذكرة في الآخرة والموت، ورصداً للأهداف العسكرية المتحركة والثابتة والتي غدت عرضة لرصاصات القسام في كثير من الأحيان.
لم يكن المستعد للرحيل دوماً لينقطع عن الغذاء الروحي، فقد كان في شوق دائم إلى لقاء الله تبارك وتعالى، فزيارة المقابر وتلقين الموتى ومتابعة الجنائز وزيارة المرضى ديدن (أبي يحيى) حتى غزا القلوب واستقر طيفه في أذهان الناس، الذين عرفوا ذلك العملاق الأشم والبسمة الرائعة تقابلك في شتى الدروب ترسم لك طريق الأمل وتمهد خطا العودة من خلال الإخوة والتعاضد والتكاتف.
واستكمالاً لمنهج السماء لجأ (أبو يحيى) إلى الزواج، وقد رزقه الله تبارك وتعالى في آخر أيام حياته بقرة عينه (يحيـى) من هذا الزواج المبارك.
واستناداً إلى منهج الإسلام في كسب الرزق عمل فوراً على تحقيق موارد مالية لأهله، فعمل بالتجارة وعمل سائقاً. واستغل كل لحظة في حياته في العمل لدين الله تبارك وتعالى، فسهر الليالي حارساً لإخوانه المجاهدين موجهاً لهم مخططاً ومنفذاً لعمليات العز والفداء، وكان يردد في آذان إخوانه " أن قوة الله هي التي تحركنا، نحن كتائب الرحمن نصنع العجائب بإمكانات متواضعة بقوة رب الإرادة ولا نعتمد على قوتنا إطلاقاً ".
وكانت مرحلة عمله العسكري الأخير يقضيها متنقلاً في مدينة غزة بين المجاهدين الذين أحبوه واختارته عقولهم وقلوبهم قائداً فذاً مميزاً. فخطط ونفذ عدة أعمال في الشجاعية ونحل عوز وغوش قطيف وجباليا والشاطئ والشيخ عجلين. ولم يكن (أبو يحيى) يرى في نفسه أكثر من جندي مقاتل يأبى قيود النياشين مقتدياً بالرسول الأعظم القائد الذي تقدم جنوده دوماً.
فكان (أبو يحيى) قائداً مبادراً، فكان أول من بادر إلى اطلاق النار على الدوريات الراجلة، وساهم في نصب الكمائن للدوريات المحمولة. كم ساهم في التخطيط لعملية غوش قطيف وكذلك خطة قتل المستوطنين في نحل عوز والمساهمة في عملية معسكر جباليا.
هذا عدا عن المساهمة الأمنية الفعّالـــة من خلال الكشف عن خلايا العملاء والتحقيق معهم وتنفيذ حكـــــم الله فيهم، وإزالة اللثــــام عن الوحدات الخاصة التي مارست أبشع أعمال العنف ضد شعبنا ومجاهديه. كل ذلك من خلال عمله الدائــــــب كضابط للوحدة الخاصة التابعة (لكتائب الشهيد عز الدين القسام).
ولما هتف البشير أن الفارس قد ترجل والنجم العسكري الفذ قد سطر اسمه في الطليعة الاستشهادية بعد أن حفـــر اسمه في سراديب التحقيــق، وفي السجون الإسرائيلية كعلم تضحية ورمز فداء. ها هو المنادي يهتف في صحراء الغربة أن الروح التواقة إلى لقاء الله تبارك وتعالى قد وجدت مستقرها بعد أن سطرت (ملحمة التفاح) البطولية التي لا يزال صداها يتردد فـي أذهان كل من عايــــش تـلك المرحلـــة.
ولما تنامي إلى مسامع زوجه صدى صوت البشير أن (أبا يحيى) تلقته الحور العين، وزفته الملائكة قابلت ذلك بالحــــزن والألــــــم لفراق رفيق الحياة، وقد امتزج هذا الحزن بفخر شديد واعتزاز عارم، فها هو الرجل الذي عرفته نموذجاً رائعاً للرجال الأفذاذ، كم تميز بالشجاعة والإقدام والقوة والسخاء والكرم والأخلاق الفاضلة، تذكر فيه النموذج الحي لرجل الحق، كم كان شديداً في الحق غيوراً على الإسلام ، محباً للجهاد والمجاهدين والشهداء.
ها هو يرحل عن الدنيا، كما أراد، تخضبت لحيته بالدماء ويشطر جسده الطاهر في سبيل الله، فما زادت زوجه عن قولها " الحمد لله الذي شرفني باستشهاده "، أما إخوة الشهيد وأخواته فتم استقبال صوت البشير بالتهليل والتكبير والأغاريد، فرغم رحيل (أبي يحيى) المحزن لكن هذا ما أراد أن يرتقي شهيداً في سبيل الله ليروي ثرى الوطن المتعطش للدماء الطاهرة الزكية كي تضيء العتمة التي طال أمدها.
ويوم أن تردد صدى البشير في أقبية سجن غزة المركزي، وغرف التحقيق حتى أجهش رفقاء القيد بالبكاء، فقد عرفوا فيه حسن الخلق والشجاعة والشهامة، وبفقدانه فقدوا أخاً مجاهداً عزيزاً، وردد بعض إخوانه : " اليوم سجنا حقاً ".ووقف جيران المجاهد العملاق عير مصدقين غياب النجم الذي أرشدهم طريق الهداية، وقفوا جميعاً باكين هذا الرجل النموذج.
لقد كـــان (أبو يحيى) حقاً رجلاً أحبه كـــل الأحرار الشرفاء، وهابه كل المنحرفين الساقطين. وأقيم أثر توارد النبأ سرادق عظيم للعزاء أمه الآلاف من جماهير قطاع غزة في وداع أخير لأسد المقاومة.
وفي ليلة معتمة وحسب أوامر القائد العسكري توجه آل الشهيد فقط نحو مقر القيادة العسكرية كي ينطلقوا من هناك لنقل جثمان ولدهم ومواراته الثرى في لحظات الوداع الأخير. في تلك اللحظات بكى كل شيء، الحجر والشجر والدواب، وأضاء وهج وجهه الوضّاء عتمة الليل البهيم وانتشر في أنحاء المعمورة ريح عطرة للدم الزكي المهراق تنسم عبيرها كل الأشياء وتساءل الجمع ما سر هذه الليلة الوضاءة العطرة، ما علموا أن نجماً صعد وأن فارساً ترجل وأن طريقاً جديداً شق للمقاومة، افتتحه أسد المقاومة.
وفي المقبرة الشرقية، رقد الجسد الذي طالما دوخ الاحتلال بمعادلات الصمود والتحدي رغم ضعف الإمكانات وقلة الحيلة. رقد الجسد المسجى رقدته الأخيرة، وأغمض عينيه في استراحة أبدية إلى جوار ذي الجلال والإكرام.
وفي ختام أيام العزاء أقيم احتفال تأبين ضخم للشهيد المقدام عُزفت فيه ألحان الجهاد والفداء والمقاومة، وهتفت الحناجر وداعاً للشهيد البطل.
وعلى صدى تلك الأنغام أفاق (يحيى) من رقدته في سريره وتسامى وشمخ وغطى ما بين السماء والأرض وعلا فوق الجراح وأقسم يمين البيعة حتى تحرير الأقصى وفلسطين. وما زالت يد أم يحيى تهدهد ولدها كي يمضي وفاءً لهذا القسم الأبدي.
رحم الله أسد المقاومة ورمز الفداء
وألف تحية إلى روحه المحلقة في سماء الأقصى الحزين