الشمس الحارقة تدك أرض النقب الثائر وتلفح بحرارتها وجوه الشبان الفلسطينيين الذين أبوا إلا التحدي وداسوا بكل قوة على مفردات التوازن الاستراتيجي والخضوع المبرر ... الأسلاك الشائكة تلف المكان، وتحاصر كل شيء حتى الهواء .. وها هي أبراج الحراسة العالية ترقب كل متحرك ... ورغم ذلك كان (حسن حمودة) الشاب الذي زج به ضمن العشرات في حملة اعتقالات طالت جموع العاملين في مقاومة الاحتلال ضمن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في العام ألف وتسعمائة وتسع وثمانين، يبحث عن ثغرة نحو الوطن المسجى بالغربة، المحاصر كما معتقل كتسيعوت في النقب بالأسلاك الشائكة، لكن الحنين كان كبيراً والشوق أكيداً لمواصلة درب الجهاد في سبيل الله، وها هي أفكار جديدة تتراود في ذهن (أبي أحمد) يمكن أن تطبق ضمن فعاليات الانتفاضة المباركة ..
لم يكـــــن (حســـــن) من أولئك الذيــــن يخضعـــــون للواقع وأحداثـه .. بل دوماً تراه يسعى إلى صناعة الحيــــاة وبنـــــاء المجــــــد بيديــــــه ..
همس لزميله المجاور .. هل تفكر في قضاء محكوميتك ؟!!، نظر إليه بدهشة، وهل لديك حل آخر ؟! أجاب حسن نعم .. الهرب !! استغرب رفيق المحنة .. ولماذا ؟! أحكامنا بسيطة، فحكمك ثلاث سنوات، هل تريد أن تلحق بك قضية جديدة ..؟
لم يكن (أبو أحمد) يقتنع بما يعتقد أنه خضوع للاحتلال، فبقي يبحث عن ثغرة في جدار النقب المخيف .. والأهم من ذلك أين يلتجأ في هذه الصحراء المترامية الأطراف إذا قدر له الخروج من أسوار هذا القيد اللعين .
وبقي صديق حسن يقنعه ألا يفكر بهذا الطريق الخطر، ويقضي محكوميته في السجن حتى يعود لأبنائه الأربعة الذين ينتظرون عودته على أحر من الجمر، كي يكمل بهم مسيرة الحياة يعلمهم ويربيهم على العلم والجهاد .. لم يكن يخطر ببال (حسن) هذا التفكير بشكل أساسي، كان يتجه بكليته إلى شيء آخر مختلف كلياً .. فقد كان (حسن) نجماً في هذه الصحراء القاحلة، وجده إخوانه حيث أرادوا كريماً .. خدوماً .. معطاءً .
تراه يغدو مساهماً في إعداد الطعام وتقديمه إلى إخوانه أول من يقدم الطعام وآخر من يتناوله... يشرف على نظافة الموقع الذي يؤوي المئات من المجاهدين، يوفر بذلك الجو الصحي الطيب، ثم تراه يعد المكان المناسب لإلقاء المحاضرات الثقافية والشرعية كي يتزود المجاهدون من علوم الدين ما يساعدهم على مواصلة درب المقاومة والجهاد .
وليلاً تراه حارساً أمنياً أميناً، وكانت تلك الأيام المرحلة الأولى في مواجهة أمنية ضروس بين المجاهدين وجهاز المخابرات الإسرائيلي (الشاباك)، حيث يحاول أذنابه اختراق صفوف المجاهدين، وكان على (حسن) أحد أبرز أعضاء الجهاز الأمني لحركة المقاومة الإسلامية، أن يواجه خطط الشاباك الإسرائيلي وكان (حسن) لها، يستيقظ طوال الليل أحياناً يحفظ الأمن برصد الحركات المشبوهة والتي تكشـــف عن أذناب الاحتلال الذين زرعهم الاحتلال في صفوف المجاهدين لنقل أخبارهـــــم .
ولم يكن ذلك كافياً، فبعــــد أن تم ضبــــــط أكثر من حالة، تحرك حسن بطريقة جادة جداً وبدأ بإجراء تحقيقات مكثفة كشفت خبايا معلومات خطيرة حول الدور الخطير الذي تؤديه الأذنـاب فـــــي خدمـــــة الأســـياد ..
لم يكن قد صدر قرار بتصفية أيٍ من أولئك الذين تم ضبطهم، انهمك (حسن) بهذه المهمة العسيرة ولم يعد يفكر في الخروج، فهو يود ذلك كي يجاهد، وها هو يؤدي دوراً جهادياً عظيماً، وكم كان يود أن يكمل هذا الدور .. ولكن ذلك لم يكن متوفراً . هذا الجهد الخارق .. في مواجهة مخطط كامل من دولة أعدت الكثير من جهدها ومالها للجانب الأمني .
حتى غدا حسن معروفاً على نطاق واسع بأنه (أسد النقب) حيث ساهم بشكل كبير في المواجهة الأولى والمباشرة في المجال الأمني، ورغم ذلك لم يترك أبو أحمد الفرصة الذهبية في خلوته التي أرادها الله له في السجن، فكان دائم الاتصال بالله تبارك وتعالى تجده يقف الساعات الطويلة مبتهلاً بين يدي الله تبارك وتعالى داعياً أن يحفظ عليه دينه ويكتب له الأجر الجزيل وأن يكون نعم الخليفة في الولد والأهل والمال ..
ولم يكن ينقطع عن كتاب الله تبارك وتعالى يقتنص الوقت كي يلجأ إلى آيات كريمات يتزود بها لمواجهة تبعات الطريق والتضحيات الغالية اللازمة للسالكين درب التحدي .
كانت الأيام تمضي سريعاً وأسد النقب يؤدي دوره على أكمل وجه، فكان حقاً نجم النقب الحمساوي، في كل مكان تجده .. أحبه جميع إخوانه لما يملك من قدرة عالية على مساعدة إخوانه، ولما يملك من قلب كبير وسعهم جميعاً ... لا تجده قد حمل على إخوانه موقفاً أو قاطع أحدهم .. سامح الجميع دون استثناء فكان هذا القلب لا تجد فيه مكاناً للأحقاد والضغائن، لقد امتلأ بحب الله وحب الجهاد في سبيله ..
وها هي أيام الحرية تقترب رويداً وبدأ خاطر (أبو أحمد) يرحل إلى هناك .. إلى (جباليا البلد) حيث يقطن أهله ينتظرونه بفارغ الصبر، خاصة وأنه قضى الأعوام جميعاً دون زيارة واحدة من أهله، وكم رحل خاطره هذه الأيام إلى حيث أبنائه كيف أحوالهم ..؟ وما هي أخبار أحمد..؟، بالتأكيد قد كبر، وشب عن الطوق، ورحل بخياله إلى والده الحاج الذي طالما كان الناصح الأمين لولده الحبيب (حسن)، كم نصحه أن يكمل تحصيله العلمي بعد أن حصل على شهادة الإعدادية، وقرر أن يتعلم مهنة (الطوبار)، ولكن (حسن) كان يرى في قدراته المهنية أكثر بروزاً، خاصة وأن ظروف أهله الاقتصادية لم تكن تحتمل المزيد من الانفاق .. رغم استعداد والده الكامل، ورغم ذلك فقد أتـقـن مهنته الجديدة، وغدا رجلاً مشهوراً بأمانته ومهارته، فقصده الكثيرون كي يبني لهم بيوتهم .
هاتف (حسن) نفسه ها هو عمري قد تجاوز الثلاثين عاماً وبدأت في عقد جديد، فها هو العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين يطل على الدنيا، وكان أن أطل حسن على الدنيا في العام ألف وتسعمائة وواحد وستين ... وها هي بشائر الحرية تدنو رويداً رويداً .
ويذكر حسن كم نصحه والده أن يهـــــدأ وهو يواجه قـــــوات الاحتلال بكل عنف وقوة، والوالد يحـــدث ولده إنــك لم تعـــــد صغيراً، ها هم أبناؤك يغــــدون فــي الطــرقات، ولكــن
روح الجهاد تملأ على أبو أحمد حياته ولا يوقفهــــــا إلا الالتصــــاق بالأرض، وهو يردد على والده " قــــل إن كان آباؤكـــــم وأبناؤكـــــم أو إخوانكـــم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشــــون كسادها أو مساكن ترضوها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربّصــوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقيـن " .
يروي له والده أنه كان يتوقـــع له هذا الاندفـــاع، فقد كان فــــي طفولته شجاعاً غيوراً على دينه وعرضه، ويحدثه والده أنه كان يسأل دوماً عن الجيش الإسرائيلي وقواته حين يمرون بهم في مركز جيش جباليا، يسأل من هؤلاء ..؟ ولماذا يعاملون الشباب هكذا..؟، يوقفونهم على الجدران ويرفعون أيديهم ويضربونهم، ويخبره والده أن هؤلاء هم قوات الاحتلال التي داهمت أرضنا في جباليا، وقامت بترحيلنا أهلنا من مدن فلسطين، وها هم يسكنون في مخيم جباليا المجاور لنا . ولازالت قواتهم تلاحق أبناء شعبنا في هذه البيوت القرميدية تنكل بهم كما ترى، نشأ أبو أحمد على هذا الشعور بالظلم والغبن وضرورة مواجهة المعاناة اليومية بخلق معاناة لمن خلقوا هذا الظلم ...
ومنذ اليوم الأول الذي ملك فيه (أسد النقب) حريته، انطلق نحو مزيد من الشموخ ليؤدي دوره الجهادي الطليعي .. حيث التحق فوراً بصفوف مجموعات (الصاعقة الإسلامية) التي تم تشكيلها حديثاً من أجل مواجهة أفضل لعملاء الاحتلال ...
ورويداً رويداً تحولت هذه المجموعات إلى الجهاز العسكري (كتائب القسام)، وضع (أبو أحمد) خلالها نصب عينيه أن يطهر الأرض من أدران العملاء، فانطلق مستمداً في دوره الذي انطلق به على أرض النقب الثائر، واستمر في التحقيق مع العملاء، ولكن هذا الدور تصاعد الآن لينفـــــذ (أبو أحمد) مجموعـــــة من الاعدامات بحــــق أولئك الذين ثبت بحقهم ارتكاب أعمال خطيــــرة بحق الشعـــب الفلسطيني . بالإضافة إلى رصد تحركات قوات الاحتلال من أجل تنفيذ العمليات العسكرية القسامية، والدور المتميز في جلب السلاح وتخزينه، وفي (ديسمبر) من العام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين ورجال القسام يستعدون لخوض ملحمة " حرب الأيام السبعة " حيث يشحذون طاقتهم في ذكرى الانطلاقة الماجدة لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) .
في ذلك الوقت حضرت قوات الاحتلال إلى منزل (أسد النقب)، والتي لم تجد حسن في بيته، فتركت له ورقة تطلب منه الحضور في اليوم الثاني، ولما كان يعلم (أبو أحمد) الخطورة الكامنة في هذا اللقاء، انطلق إلى حيث الطريق التي اختارها خاصة وهو يدرك أن قوات الاحتلال قد اعتقلت إخوانه (محمد أبو عطايا، وبسيم الكرد، وخالد المغير)، فكان الخيار (لأسد النقب) الالتحاق بركب المجاهدين المطاردين لقوات الاحتلال، وغدا يخوض حرباً مباشرة واضحة صريحة ..
وكان أخطر ما فـي هذه المواجهة التحــدي العلني للعملاء .. في كافة مناطق القطاع، التحدي القسامي في تلك الأثنــــاء يبلغ الذروة، وقوات الاحتــــلال تصاعد حملة الرد باعتقالات وأبعاد جماعي، وقصف بيوت وقتل المجاهدين، و(النقيب حسن) مع إخوانه يصعدون هجماتهـم في هــذا الجو المشحـون يبحثون عن ثغرة في جدار الاحتياطات الأمنية المكثفة .
ورغم ذلك لم يكن (أبو أحمد) ليترك المهمة النبيلة، فلم يخضع للحصار المفروض في كل مكان، فانطلق يحمل سلاحه يبحث عن صيد يشفي الله به غيظ المؤمنين الذين مسهم القرح، فيصيب حسن وإخوانه من جنود الاحتلال مقتلاً في كل موقع يواجهونهم فيه .. ولكن الخناق يضيق حول المجاهدين، وحسن يلقي والده الذي يردد عليه بإلحاح يا بني ابحث عن طريق للخروج أو قم بتسليم نفسك إذا كان حكمك قصيراً، ويردد (أبو أحمد) بثقة يا أبي لا أريد إلا شيئاً واحداً الشهادة يا أبي، إني أسير في طريق الله عز وجل، وإن الله على نصرنا لقدير، فلا تحزن ولكن الإلحاح لم يتوقف، وقيادة (كتائب القسام) ترى الضيق والضنك يسيطر على حركة المطاردين فقررت أن تخرج دفعة إلى الأراضي المصرية .
يتجمع عدد من المجاهدين يقودهم الشيخ/ حسين أبو اللبن في مدينة غزة من أجل الانطلاق نحو البوابة الجنوبية، الحشد القسامي يسيطر عليه وجوم، والدموع متحجرة في المآقي، صمت القبور يغطي على اللقاء السابق للرحلة التي كرهها الجميع، وكان أسد النقب .. جزار العملاء الذي ما عرف قلبه الرحمة على أولئك الذين باعوا الدين والوطن، ها هو يقف منفطر القلب، الدمع لا يطاوعه على الخروج، إن نزعه من هذه الأرض نزعٌ للروح من الجسد، كيف يحيا خارج هذه الحدود، إنها مغامرة خطيرة ..
يجب أن ينطلق ليودع أهله يتركهم في رعاية المولى عز وجل أبناؤه ينظرون إليه، لا يدركون سر الدموع التي تنحدر على وجنتيه بغزارة، يقبلهم جميعاً بحرارة المودع، وينظر إليهم بشفقة على أطفال عاشوا أيتاماً بوجوده لأنه غادرهم إلى الجهاد في سبيل الله، وقضى معظم وقته في المعتقل، ثم مطارداً، وها هو يتجه إلى المنفى ولا يدرك ما هو المصير الذي ينتظره وإخوانه، ها هو يرحل وولده السادس جنيناً، ينتظر دوره في القدوم للحياة دون أن يرى أباه ولو لمرة واحــدة.
يرحل (أبو أحمد) وقلبه يتمزق حزناً وكمداً، أيغادر الأهل والولد والأرض دفعة واحدة..!! أيترك أرض الجهاد والمقاومة؟ وماذا سيبقى لنا إن نزعنا البندقية من أيدينا ..؟ ورغــــم ذلك يرحل مع جموع الراحلين حلاً لمشكلة العمل القسامي بأسره، يرحل وذاته تذوب بكل ذرة تراب من أرض فلسطين الطهور، وفي رفح الباسلة قلعة الجنوب يقبع (النقيب حسن) وإخوانه من أجل إعداد الترتيبات الأخيرة للهجرة، فجر الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين يبزغ والخطوات تتقدم رويداً رويداً باتجاه النفق المعد للخروج، أقدام (حسين وبسام وحسن وأنور وخالد وعماد) تتقدم تستكشف الموقع، وما في أيديهم شيئاً يدافعون به عن أنفسهم، فقد تركوا سلاحهم كي يستعين به إخوانهم المجاهدون في أرض الرباط، وما تسلحوا إلا بالإيمان والتوكل على الله وبعض الأسلحة البيضاء الخفيفة . ولكن القصف الإسرائيلي يفاجئ الرهط الطاهر .. الصواريخ تنطلق بحقد نحو الأجساد الطاهرة تمزقها .. تشطرها .. تغرسها في الأرض الحرام ... والرصاص يتهاوى من كل مكان ..
قذيفة صاروخية استقلها أسد النقب وهوى على الأرض يقبلها في وداع أخير ... وينطلق إلى السماء يبني سلماً للمجد وطريقاً للخلود ودرباً للجهاد، الجسد المتعب من وعثاء السفر، ولياليه الحالكة يستريح بقذيفة تشطره ويحترق الجسد في ذات الله كي يغسل كل أدران الحياة النكدة... ويلقى الله ناصعاً أبيض يصطف مع الخالدين يدخلون جنة ربهم بسلام بإذن الله يشيرون إلى أهلهم وأحبابهم يشفعون فيهم، بعد أن ارتوت الأرض، وسكنت باحتضانها هذه الأجساد الطاهرة وغسلت الدماء ما علق بالأرض من أوساخ قوم أصروا الخيانة، وامتلأ وجه هذه الأرض بحلة قشيبة من الحناء المزكى بالأرواح الطيبة التي أبت النكوص، وكانت التضحية علمها الأوحد والإيمان شعارها الأنقـى ..
وها هي السماء تأبى إلا المشاركة في رحيل ثلة الفرسان المهاجرين، تحتشد الغيوم وتتقاطر المياه تذرف دموعها .. تغسل الأرض وتحط الخطايا عن القلوب التي أوجعها الحرمان وغلفها الانتظار وأعياها تفرق الإخوان حتى غدا مصيرها في مهب الرياح لولا التفاف هذه الثلة الطاهرة من رجال القرآن وامتشاقهم السلاح في زمن الغربة الآسن أصبحت قضية الشعب الفلسطيني ضحية أكيدة لبرامج المؤامرة المتواترة من قوى لا تغفل عن استلاب الأرض، وحصار الإنسان وتجريده من ولائه وانتزاعه من ذاته رهينة لأهوائه وشهواته ...
استقل (أسد النقب) القذيفة الصاروخية ورحل هناك إلى حيث مقبرة الشهداء، حيث نام نومته الأخيرة إلى جوار ثلــــة الأطهار المجاهديــــن من رجال المقاومة الأفذاذ .. وقبل أن تحتضن الأرض حبيبها ألقى الجمــــع نظرة على الجسد المسجى بنور اليقين على الله بالشهــــادة، لم يتبيـــــن الكثيرون معالــــم الوجه النضر بعد أن ضاع شكله بالقصف الصاروخي كما ضاع وجه فلسطين الأخضر وتغير شكل خارطتها بعد أن كثرت في وجهها التعاريج والأخاديد .
احتضنت الأرض من أحبته فضمته إلى صدرها المشتاق وأحبها فرواها بدمه الذي ينبت صخرها الجامد وسقاها بحبات العرق من جبينه الوضاء، وترك في كل موقع علامة للإيمان والتحدي الساطع .. في النقب الثائر غرس أشتال الصبر، وعلى أرض جباليا أنبت زرع التحدي والتطهير، وعلى البوابة الجنوبية غرس أشتال الشهادة والخلود.. ووالده ينادي يا (أبا أحمد) لقد ولدت حراً وعشت حراً ومت حراً يا ولدي ... اللهم اجمعني به في مستقر رحمتك...
أما زوجه الصابرة فقد تلقنت دروس التحدي من (أسد النقب) فقالت (ليعلم الصهاينة أن حسن لن يموت وسأضع قريباً ما في بطني وسيكون عليهم خمسين ألف حسن ).
وفعلاً بعد أشهر بسيطة زار الدنيا الابن السادس (لحسن) وكان (حسن القسام) الوليد وريثاً شرعياً (لحسن الشهيد) ...أما إخوان (أسد النقب) الذين عايشوه المحن فما فتئوا يرددون عبارات الثناء على العلم الشامخ الذي ما عهدوه متراجعاً أو جباناً أو بخيلاً على دينه وحركته، فألقوا إليه تحية الوداع وهم يذكرون أسد النقب وجزار العملاء ....
وداعاً يا ابن الوطن وابن القسام
واستكمالاً للتحيــــة تحتشــــد الجموع في حفل التأبين لتلقي تحية الرجــــال للشهداء الأحياء الذين ما هانوا أو خانوا بل سطــــروا أسطـــــورة التحدي والجهاد استمراراً لمنهج شيخهـــم عز الدين القسام ..
هكذا ألقــــــى (أسد النقب) كل ما في جعبته وقام في هــــدوء بعد أن أودع أمانة الدم في الدم وأبر بقسم البيعــــة ويمين العهد فكان رمز الوفاء ونموذج العطاء ...