امتلأت السماء بالغيوم واكفهر الجو في صباح اليوم الثامن من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين . في هذا اليوم وغزة تمد يدها لفصل الصيف، حيث يرحل الجميع نحو الساحل .. ولكن ما بال السماء اليوم تبكي بغزارة وتسقي الأرض المشتاقة للمطر .. تساءل الجميع ماذا يحدث في هذا اليوم ..؟!
لم يكن يعلم أهل الأرض أن ملائكة السماء قد ضجت وأن الله في عليائه أذن للكون أن يعبر عن حزنه على رحيل كوكبة طاهرة من شهداء الأرض المقدسة، وكان (أبو معاذ) الرجل الذي استعصى على الاقتلاع ضمن هذه الثلة الطاهرة التي شرفت بها فلسطين الشهادة .
كان أهل قلعة الجنوب (رفح) كغيرهم من أهل القطاع، يستيقظون من نومهم قبل أن تستيقظ الطيور كي يرحلوا إلى بوابة قطاع غـزة (السجن الكبير) الذي تغلقه قوات الاحتلال يومياً، من أجل قوت عيالهم يتهافتون في انتظار يوم الخلاص من هذه المهانة اليومية المؤلمة .. وفي ذات الوقف كانت الثلة الطاهرة من رجال القسام (عماد وحسين وأنور وحســن وبسام وخالد)،
يرحلون نحو الحد الجنوبي المغلق بأرتال من أسلاك شائكة وخطـــوط كهربائية وألغام أرضيــة
تفصل بين فلسطين القداسـة ومصر الكنانة .. في هجرة جديدة أملاها الواقع المعقد والظروف الأمنية غير المواتية لهذا العدد من المطاردين .
ولم ينفك (عماد) عن البكاء المر، وهو يترك الأرض الحنون .. يترك الرباط والجهاد .. والجميع يهدأ من روع صخرة فلسطين الصلبة الذي ضرب أروع الأمثلة في الصبر والجلد عنواناً دائماً للصمود والتصدي (أبو معاذ)، فمنذ أن تولى مسئولية (جهاز الأحداث) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في حي الزيتون بمدينة غـزة، إضافة إلى مشاركته في مواجهة الاحتلال عبر أفكاره الرائعة في نصب الكمائن، كان يحفر الخنادق الرملية للسيارات العسكرية أسفرت في معظمها عن الكثير من الإصابات...
ولمّا اعتقــــل بتهمــــــة مسئوليتــــــه عن جهاز الأحداث في ضربة مايو 1989م، لينتقل بين أقبية التحقيق وسراديب الاعتقال يقضي عامين بالتمام والكمال، يدرك الجميع أن (عماد) يستحــــق أن يكـــــون عنواناً للصبر والجلد، فكانـــوا يسمونه (أبو صخر)، وعلى أرض النقـــب الثائـــــر باشـــــر (أبو معاذ) نشاطـــــه .. لم يكسر من عزيمته السجن ولا نازية السجان، حيث تولي العمـــــل الأمني في فترة اعتقالــــه، فقـــــام بإعداد التقارير وتنفيذ برامج الرصد والتحقيق مع عملاء الاحتلال .
ولم يخرج (أبو معاذ) من السجن في العام 1990 كي يبيت في منزله، أو يأوي إلى أهله، فما زاده السجن إلاّ صبراً وجلداً وعزيمة على مواصلة الطريق المقدس نحو المجد.. فواصل عطاءه الجهادي المتميز ليتم اعتقاله إدارياً ثلاث مرات إضافية، رسخ خلالها (أبو معاذ) نموذجه الرائع في الصبر والعطاء اللامحدود .
لم يكن الاعتقال النموذج الأوحد الذي كشف عن هذه الشخصية الفذة فقد كان أبو معاذ درة حي الزيتون في مواجهة الاحتلال .. هذا الحي الذي نقش ببطولاته أروع ملامح العزة والكرامة .. وهو الحي الذي كان مهداً للرصاصة الإسلامية ومأوى طلاب الشهادة العظام الذين سطروا بدمائهم على أرضه أروع ملاحم البطولة أمثال (ياسر النمروطي وعماد عقل).
وفي (مسجد الشافعي) كان (أبو معاذ) علماً بارزاً ساهم في نشأة جيل إسلامي متميز ينادي بالإسلام ضرورة حتمية للمجتمع .. يشارك في الدروس والمواعظ ويوجه جهده نحو التربية الفردية .. كما حرص على أن يكون مع إخوانه مسلماً متكاملاً تحت شعار " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .. " .فكان أن ساهم في تشكيل فرق رياضية للمسجد في شتى ألعاب القوى " كمال الأجسام، الننشاكو، الكراتيه، والجمبــــاز "، برز (عمــــاد) قائداً لفريــــق الجمباز، وفاز من خلال هذه اللعبة ببطولات وسباقات، تراه يقفــــــز من وسط النيران، يصعد في الهواء، يؤدي التشكيلات بمهــــــارة وإتقان .
التحق (عماد) بركب (جماعة الإخوان المسلمين) في العام 1985، ليواصل عطاءه الإسلامي الصافي من خلال عمل منظم يشعر معه بالارتباط وتحقيق الأهداف، فكان (أبو معاذ) كعادته في الطليعة يساهم في تربية النشىء وفق روح الإسلام الصافية وليبني الأجسام كي تقوى على مواجهة الشدائد، كما ساهم في بناء بيوت الله كي تحتضن أبناء فلسطين، تزرعهم أشتالاً كي تقوي الغراس ليوم التحرير المأمول .
كان يشعر (أبو صخر) بعظيم الانتماء لدين الإسلام، ومنهج السماء، ولذلك يعشق (مسجد الإمام الشافعي) .. في حي الزيتون .. الذي درجت خطواته الأولى فيه، وهناك نشأ (عماد) صخرةً صلبة، كم كان يعشق (حي الزيتون) حيث أطل على الدنيا في الرابع عشر من يونيو من العام ألف وتسعمائة وست وستين، رغم حنينه الكبير أن يلتحف أرض (بيت دراس) موطــن الآبــــاء والأجــــــداد .
كان يتذكر (بيت دراس) كلما زار مراكز التموين التابعة لوكالة الغوث .. وكلما أمطرت السمـــاء على البيــــت القرميدي، فعزف صوت المطـــــر لحناً، أيقظ القلوب والهمم كي ترتقي نحو دروب المستحيل .. وكلما اتجه إلـــــى مدرسته الابتدائيــــة وشاهد الواقع البائس ثم ينهي دراسته الإعدادية والثانويـــــــة ويلتحـــــق للدراسة في الجامعة الإسلامية بغزة، إلا أنه قرر أن ينال الشهـــــادة العليـــا .
وما كان (لصخرة فلسطين) التي تتحطم على سرها الدفين أمواج المحنة العاتية، وتبقى هذه الصخرة شامخة أبية تنبت للعالم الحائر شجرة الحرية، أن يعيش بعيداً عن الجهاد، فالتحق (أبو صخر) في العام 1992م بعد خروجه الأخير من المعتقل (بكتائب الشهيد عز الدين القسام) كي يحقق حلم فؤاده في الشهادة .
وكان يتبع مباشرة في عمله الشهيد القائد (عماد عقل) (أسطورة الجهاد والمقاومة)، ونفذ خلال تلك الفترة مجموعة من المهام الحساسة حيث رصد مواقع تحرك الجيش الإسرائيلي من أجل تنفيذ العمليات الجهادية، حيث شارك في الرصد لعمليات الشجاعية والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة جنود في ديسمبر 1992م .. وعمل كراصد في مدخل جباليا، حيث نفذت عملية ليلة القدر في رمضان 1993م، والتي أسفرت عن مقتل جندي، وإصابة العديد .
لم تتوقف خطوات(عماد) الجهادية عند هذه المرحلة، فأسس قواعد العمل العسكري في منطقة الزيتون التي غدت الحضن الدافئ للمجاهدين القساميين بفضل ما يوفره (أبو صخر) من دعم مادي ومعنوي لجموع الراحلين نحو المجد والخلود .
ولتوفير هذا الجو الآمن قام (أبو صخر) بملاحقة العملاء والساقطين خشية انكشاف أمر المجاهدين، فشارك مع الشهيد (ياسر النمروطي) في تنفيذ عمليات التطهير .
ولمّا استشهد (ياسر النمروطي) .. أسس (عماد) مجموعته القسامية الإعدامية، وأطلق عليها اسم (مجموعة الشهيد ياسر النمروطي) .
كم كان (عماد) يحب (أبا معاذ) ياسر .. يرى فيه القائد والقدوة والنموذج الأروع لرجل تضحية وفداء .. لم يكن عماد قد تعرف على (أبي معاذ) الآن، فقد عايشه أياماً وليالي طويلة في باستيلات العدو الصهيوني .. حيث شكلا معاً ثنائياً رائعاً للتفاني المخلص .. يجلسان معاً يحفظان كتاب الله .. يتسامران .. يلعبان الرياضة القوية معاً .. ولمّا طورد (أبو معاذ) لم يجد أدفأ حضناً من شقيق روحه (أبي صخر)، فالتجأ هناك، حيث وجد ما تقر به عينه من تضحية وعطاء وبذل وراحة، حتى قرر (أبو معاذ) الرحيل .. كان أن صعدت روح (أبي معاذ) في حي الزيتون حيث سكن الجسد العملاق وتألق نجم جديد في سماء فلسطين .. سماء الزيتون . وهنا قرر (عماد) أن يواصل ذات الدرب الممهورة بالدم المسيجة بالأشواك، فاختار أن يكون اسمه (أبا معاذ) كي يكون خير خلف لخير سلف - وهذا ما كان - .
كان (عماد) يشق طريقه وسط الصخر دون ضجيج أو فوضى أو حرص على الظهور، وفي أثناء هذا العطاء والتفاني قد ألح عليه أهله أن يتزوج .. لم يكن هذا خياره، فرفض بشدة . حتى شعر أهله أنه يخفي سراً، فقرر الموافقة وتزوج من ابنـة عمــه .
تزوج وهو يدرك أن لا شيء يمنعه عن حلمه الغالي بالاستشهاد خاصة بعد رحيل أخيه القسامي القائد (ياسر النمروطي) . استمر (أبو معاذ) في حملته التطهيرية ضد العملاء والساقطين في (حي الزيتون) ثأراً لدماء الشهيد (ياسر النمروطي) حتى تقدمت قوات الاحتلال نحو بيت (المنسي نصار) تحاصره وتداهمه .. تحطم أثاثه، لم يكن هذا مشهداً غريباً على هذا البيت المجاهد الذي يتوزع أبناؤه بين السجن والنفي والمطاردة والاستشهاد ..
(أشرف) يقبع على الحد الشمالي للوطن المسلوب مع إخوانه المبعدين في مرج الزهور، و(نبيل) يعيش متنقلاً بين سجون الاحتلال يقضي محكوميته البالغة عشر سنوات بتهمة الانتماء
إلى الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وتنفيذ فعاليات المواجهة والتحدي .. ولكن اليوم كانت المداهمة الأعنف حيث قلب جنود الاحتلال المنزل رأساً على عقب بحثوا في كل زاوية عن الشبح الذي طاردهم وأحال حي الزيتون إلى بعبع لعملائهم ومصيدة لجنودهم وكمائن تنحدر فيها دورياتهم يمطرهــــم فيها (أبو صخر) أصناف العذاب ولكن أين هـــــو الآن .. ألم يعلموا أنـه قــــرر الرحيـــــل قبـــل الرحيـــــل ..
ولم تتوقـــف إجراءاتهم عند هذا الحـــد، بل قامت سلطـــات الاحتــــلال بطرد (والد عماد) مــــن وظيفتـــه الحكوميــــة .
كان كل ذلك يفرض على (أبي معاذ) المزيد من التحدي، فامتشق (أبو معاذ) سلاحه الهدّار وغدا في مرحلة جديدة تحتاج إلى كل ألوان العطاء والتحدي والمقاومة والأمن .. و(صخرة فلسطين) لها، وبدأت المعركــــة مبكـــراً بين (أبـي
صخر) وقوات الاحتلال التـــي ما تركـــت
حيلة ولا طريقة إلاّ اعتمدتها من أجل القبض عليه والتخلص منه .. حيث داهموا منزله ليلاً ونهاراً، بالزي العسكري الرسمي ومتنكرين بأزياء متعددة ـ حضروا يوماً لإلقاء القبض عليه وجنود القوات الخاصة يتنكرون بزي نساء ولكن رعاية الله لعبده كانت لهم بالمرصاد فما أفلحت كل محاولاتهم اليائسة، وكان (أبو معاذ) يلاحقهم ويحاصرهم عبر عمله الجهادي القسامي الموجه نحو عملاء الاحتلال وقواته المتحركة والذين دفعوا ثمناً باهظاً حين التحق (صخرة فلسطين) بثلة المطاردين القساميين. كان الضغط يشتد على البطل القسامي المجاهد وإخوانه حتى يصدر الأمر من الجهاز العسكري بمغادرة قطاع غـزة، وتكون الرحلة نحو الجنوب ... ارتحل (أبو معاذ) رغماً عنه ولم يكن شيئاً أشد عليه من خروجه من (حي الزيتون) .
إنه يتمنى الشهادة على هذه الأرض، فلماذا الخروج .. كان يدرك كم هي تكاليف الخروج بعيداً عن الحضن الدافئ .. ولكن قدر الله أكبر ورحمته أوسع، ها هو يغادر مع إخوانه وقلوبهم تنشطر .. تنشد نحو الأرض الذابلة المشتاقة .. ها هو الموكب النوراني يتقدم .. يتقدم.. نحو الخيار الأوحد لأولئك الأطهار، وما أراد الله لهم عدا هذا .. فقد أطلع على سويداء القلوب وما تحوى من حب وكرامة الله تبارك وتعالى ..
فكانت الكرامة تسبقهم وحين تقدم الموكب نحو الحدود لاختراقها عبر نفق يربط فلسطين ومصر، ينطلق القصف الصاروخي والرصاص من كل مكان يغطي الأرض الصحراوية كي ينبت فيها الصبّار ويخط هناك طريق الملحمة الواجبة ... وما تحتاج سوى الصبار .. كانت عشرات القذائف والرصاصات تقتحم الأجساد الطاهرة .. تستقر إحداها في قلب (أبو معاذ) كي تودعه أمانة في هذه الأرض التي أبى هجرتها، وكان المهاجر يردد " والله يا غزة إنك أحب بلاد الله إلى قلبي ولولا أنهم أخرجوني منك ما خرجت أبداً ".
وها هي (غزة) تأبى لهذا الوفاء أن يغادرها .. تأبى إلا أن تحتضن هذا القلب المتيم فداءً وتضحية وإباء .. يرحل أبو معاذ يبني مجد الخالدين .. يمتطي صهوة الرصاص .. ويهزأ بالجلاد ... ويرحل متقدماً الموكب نحو الجنـة ... يرحل بعد أن سطر ملحمة المقاومة والجهاد في كافة الميادين .. رحل وما ترك موقع قدم في حي الزيتون وغزة، وفي مواقع الأسر إلا وبه علامة تذكرك (بأبي معاذ) .. الصخرة الصلبة التي تحطمت عليها سياط الجلاد ... فغدت اشد بأساً وأكثر منعة، وها هو اليوم يلثم الأرض بجبينه الوضاء .. يزمجر كالأسد الهصور.. يتمنطق بخياره الأوحد .. فيما الناس يتكالبون على زخارف الدنيا ... يرحل (أبو معاذ) ليسكن عليين حيث ينتظره (الشهداء) يتلقفونه بكــل الحب .. يربتــــون على كتفه .. كما عهدناك يا (أبا صخر) .. وفياً مخلصاً مسرعاً .
يرحل الخبر سريعاً إلى غزة يتلقاه آل الشهيد المظفر بكل الفخر والاعتزاز .. فقد غدا الصبر جزءاً من مسيرة هذه العائلة .. ها هي تتلقى خبر استشهاد أحد أبنائها ومازال ثلاثة من أبناء (المنسي) يتوزعون بين المنفى والسجن . يأتي نبأ الاستشهاد وزوج (أبو معاذ) تحمل في أحشائها (معاذاً) والذي أسموه (معاذاً) كما أوصى تكريماً لأخيه الشهيد (ياسر النمروطي) .
وفي قلب (حي الزيتون) ينصب سرادق عظيم يستقبل المهنئين بعرس الشهادة العظيم يلقون التحية (لأبي معاذ) الذي أبى إلا أن يكون عظيماً خالداً، كما كان دوماً يلقون التحية على المجاهد الفذ الذي غادر الدنيا وارتحل سريعاً نحو الخلود الذي بحث عنه وترك لهم الوصية، مصحفاً ورشاشاً وراية .. أبى الشهيد إلا أن تظل خفاقة عالية ..
وفي اليوم الثالث لعرس الشهادة أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبين لم تشهد له مدينة غـزة مثيلاً من قبل، وتوافدت إليه الآلاف من كل مكان .. تودع الشهيد.. تحمل الوصية .. تحفظ الراية من السقوط .. رحل الأبي على التراجع والاقتلاع من ساحة الجهاد والمقاومة ... رحل عنوان الصبـــــــر والجلد وترك وصيته الخالدة ..
" إني راحل إلى ربي فادركون " .