مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-05-25
في ذكرى الرحيل ... الشهيد مروان فرج الزايغ (رجل الثأر)
في ذكرى الرحيل ... الشهيد مروان فرج الزايغ (رجل الثأر)

 

فتح (مروان) عينيه منذ الصباح على نداءات التكبير تعلو خارج منزله، خرج حيث الإطارات المشتعلة والطرق مسدودة، وأنبأه أحد إخوانه أن يهودياً قتل سبعة من العمال فجر هذا اليوم 20/5/1990م، اشتعلــــــت النــــــار في صـدر (مروان) وبدأت تتـــــراءى أمامه خواطر تحمـــل معالم الثأر والغضب ... ما ذنب هؤلاء العمال ؟؟ لماذا يُقتلون ؟؟ ألا يكفي القتلى كل يــــوم في غـــزة وجباليــا وخانيونــــس ورام الله والخليل وبيت لحم، وكل أرجاء الوطن ولكن أين يمكن إطفاء تلك النار المستعرة في صدر مروان .. ؟!! وفي مساء 8/10/1990م انطلق (مروان) نحو مسجده كعادته لأداء صلاة الظهر حين لاقاه أحد إخوانه يحمل إليه نبأ استشهاد عشرين فلسطينياً في المسجد الأقصى المبارك في مجزرة رهيبة ...

 

ضاقت الدنيا في عين (مروان) ... شعر باختناق رهيب وأن ملك الموت يزوره وتراءت كل الأفكار في ذهن (مروان) في لحظة الذهول هذه ... واختمرت في ذهنه الفكرة، فمروان الذي يأبى القهر والظلم والتعسف لا يمكن أن يتجاوز واقــع شعبه المرير وبهذا الإباء يصنع واقعاً جديداً وبذلك بالتحدي الصعب الشرس، يصنع المستحيل رغم تفــاوت الإمكانات ... ضغط (مروان) على شفتيه وهـــو يـــردد :

 

                 أرى بــــــلادي تبتلـــــى                     وتهان من نسل القـــرود

               واغـــض أجفانــــي على                  شـــوك المذلــــة كالعبيـد

               في الأسر تصرخ ويحنا                  أيراه مزقــــني القعـــــود

 

انطلق مروان ذاك الفتى اليافع الذي يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً فجر يوم 14/12/1990م ليلقى رفيق دربه (أشرف البعلوجي) أحد أفراد المجموعة التي يرأسها مروان في تنفيذ فعاليات الانتفاضة الحماسية ... التقت الأعين وتصافحت الأكـــف في هذا اليوم الأغــر حيث ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وانطلقت الأقــدام نحو مسجد (السدرة) بمدينة غـزة لأداء صلاة الفجر ... وكان المسجد يمثل للرجلين المأوى والمحضن والإنطلاقة ...

 

وخرجا بعد أداء الصلاة حيث سرى فيهما عشق الشهادة مسرى الدم من العروق وناول (مروان أشرف) سكيناً تفحصها جيداً ودسها في متاعه ... ركـب الأخوان سيارة مرسيدس محمّلة بالكادحين من أبناء شعبنا الذين في شخوصهم يترسخ البــؤس الفلسطيني من جراء الاحتلال، كانت نظرة (مــروان) إليهم دافعـاً نحــو ذكــرى (الأحد الأسود) .. دافعاً نحو الاستمرار في الطريق الذي قـرره الفتى الثائر . وبدأ مروان بأدعية الصباح ودعاء السفر فيما غـرق رفيق المهمة في النظر في الطرقات في نظرة وداع أخيرة حانية ...

 

واجتازت السيارة بسلام حاجز إيرز رغم التشديد الأمني الناجم عن الانتفاضة وعملياتها البطولية ... إنها المرة الأولى التي يدخل فيها (مروان) أرضه الطاهرة فلسطين (رغم أنه من مدينة غزة أصلاً إلا أن كل فلسطين بلاده) حيث لم يسبق أن عمل فيها ... فيما كان أشرف يعمل في مخزن ألومنيوم بمدينة (يافا) الساحلية وكان الهدف ينتظر مصيره هناك .

 

ولما وصلت السيارة قـرب المكان استوقفها (أشرف) وترجل الأخوان ... كانت الساعة تقترب من السابعة حين وقـف (مروان وأشـرف) أمام المخـزن وانتظرا قريب الساعة حتى بدأ أصحاب المخزن والعمال اليهود في القدوم وفتح باب مخزن الألومنيوم ودخل (أشرف) وخلفه (مروان) ... وكان (أشرف) قد جهّز قطعـة أسبست مكسور لاستدراج (موشيه) إلى نهاية المخزن، ولمّا حُصر بينهما استل الرجلان خناجرهما ومع بريق خناجرهما تراقصت كل ذكريات شعبنا ... ذكريات التعس والشقاء واللجوء واغتصاب الحقوق والقتل والنهب ... و" عيون قارة " حيث العمال يُقتلون و" الأقصى " حيث الراكعون الساجدون يذبحون ... ليستقر الخنجر في جسد (موشيه) .

 

ومع انطلاق صرخة (موشيه) التى أسلم فيها الروح ... لتطل (السكرتيرة) من مكتبها وتشاهد المنظر الذي ملأها رعباً وتغلق الباب وتهجم على التليفون ... وينطلقا خلفها لتستقـر الخناجر في بطنها وتتراءى أمامهما صور أمهاتنا يقذفـن بأحشائهن يُقتلن في ساحات الأقصى .... في كفر قاسم ودير ياسين ... والهراوة الرابينية لتكسر عظامهن .

 

وعلى الصراخ والعويل جاء العامل من المصنع المجاور إلى قـدره حيث عاجله (أشرف) بثلاث طعنات في صدره ويكمل (مروان) معه مشوار الذبح، وفي إحدى الطعنات تصاب يـد (أشـرف) بجرح بالـغ الدماء تملأ المكان ... أحضر الماء يا (أشرف) ... طهـر الأرض من نجسها حتى يأتي المزيد من الصيد ولكن اليد النازفــة ألزمت بالخروج بعد أن خطت علبة الطلاء التي أحضراها معهما " حماس تعلن مسئوليتها عن عملية القتل بمناسبة الانطلاقة الرابعة لحركة - حماس " ...

 

واتجه الأخوان إلى موقف السيارات في منطقة " أبو كبير " وافترقا للضرورة الأمنية مع الأمنيات القلبية باللقاء إن لم يكن في الحياة الدنيا ففي جنة الرحمن ...

 

حيث ركب (مروان) احدى سيارات المرسيدس وانطلقت به نحو كتلة الانتفاضة الملتهبة (قطاع غـزة) وبحماية الله وعونه تمكن البطل القسامي من دخول غزة الحبيبة وتوجه فوراً إلى منزله ليلقى عليه نظرة الوداع الأخيرة حيث سمع خبر العملية الجريئة من إذاعة العدو في نشرة أخبار العاشرة والنصف وكبـر وهلل وانطلق لصلاة الجمعة في (مسجد فلسطين) حيث لم يعد بعدها ... فلقد بدأت رحلة المطاردة الطويلة والشاقة والممتعة ... وعلى أثر ذلك وجهت ضربة قوية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، حيث اعتقل المئات وطورد (أشرف ومروان)، وقد اعتقل (أشرف) من الضفة الغربية ليقضي محكومية عالية في السجن .

 

ويرحل (مروان) إلى الذكريات حيث الرجل الصلب الصبور فـرج سلامة الزايغ بمدينة غزة في منطقة التفاح حيث عمله الشاقة المرهـق (صناعة الطوب) وهو يستمع لمذياع صغير ويتابع حلقات حرب أكتوبر سنة 1973، ولكن ذهنه شاردٌ هناك حيث زوجته التي تركها في المنزل وهي تعاني مقدمات آلام الوضع، ويدعو الله في سره أن يرزقه بغلامه الأول تقر به عينه ويعاونه في تحمل أعباء الحياة الشاقة ...

 

ما كاد ينتهي نهار عمل الرجل حتى جاءه البشير يحمل إليه الخبر السار ... زوجتك وضعت (مروانَ)، ولم لا يكون (مروان) ... حيث يقبع اسم (مروان بن عبد الملك) كالنجـم الساطع .

 

أطل بطلنا الجديد (مروان الزايغ) على دنيانا المعذبة (بيد الإنسان ذاته)، وفي أسرة متواضعة ملتزمة ومحافظة، وبين أخوين وأختين، وحيث الإمكانات المادية الضعيفة ... نشأ (مروان) على الخشونة، وما كاد يشب على الطوق حتى بدأ في مساعدة والـده في عمله الشاق، إضافة إلى دوامة المدرسة، وبذلك حاز محبة والديه لهذه الرجولة المبكرة، إضافة إلى هدوئه والتزامه بالصلاة، إلى جانب الخلق الحسن القويم الذي تحلّى  به (مروان)، حيث لا يُذكر أن الطفل الهادئ قد جلب إلى بيته مشكلة أو مشادّة مع أحد من أبناء حيه ...

 

وانطلقت شرارة الانتفاضة المباركة، كان (مروان) يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً فـقــط، رغم ذلك كان يتمتع بجسم قوي ربما بسبب عمله في صناعة الطوب ...

 

رغم هذه الحداثة فإن الحجارة كانت معشوقته، فكانت لا تخلو أي مواجهة مع قـوات الاحتلال من وجود ذاك الفتى الهادئ الجرئ الذي يرشق الحجارة بكل قـوة مما أثار إعجاب المنتفضين في (حي التفاح) .

 

ولإفراغ طاقته الكامنة في المواجهة والتحدي كان يتجه ذلك الشبل الصلب إلى (ميدان فلسطين) للمواجهة والتصعيد خاصة في أيام المواجهات المحددة من (حماس) . أكسبته جرأته وغيرته احتراماً مبكراً لشخصه الصغير ... إضافة إلى التصاقه بمسجده (الأيبكي)، حيث شارك بفاعلية في بنائه الجديد، وكم تمنى أن يراه مكتمل البناء ... كل ذلك أضاف إلى شخصيته مزيداً من التميز ... كانت أجمل اللحظات التي يحياها (مروان) تلك التى يلتقي فيها إخوانه، فيما عشــــق فتانا الانطـــــلاق، فكان يهــــوى الخلاء والبيارات، حيث يسمح الموقع بإشباع الفتى لهواية المفضلـة ...

 

في هذه الأثناء كان (مروان) أصغر المنتمين رسمياً لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في حيّه رغم ذلك فقد احتل موقعاً متميزاً بين أقرانه نظراً لجرأته الفائقة وتحمله للأمانة والمسئولية وعشقه للعمل الجهادي الحماسي الذي يؤديه ... وفي إحدى الجولات العملية لمجموعة (مروان) ظهرت الوحدات الخاصة ففر جميع أفراد المجموعة (ومنهم مروان) إلى أحد المنازل، ولمّا زال الخطر أخذ مروان المشتاق للقاء الله تعالى يبكي ويضرب نفسه وهو يقول لماذا فررت، كان ممكناً اطلاق الرصاص علىّ واستشهد ... هذا عدا جرأته في المواجهات خاصة في (ميدان فلسطين) الذى يشهد له بالتألق الفدائي ...

 

وفي إحدى المواجهات لاحظ مروان جندياً يقف وحيداً بجوار سيارة الجيب، فحمل حجراً كبيراً وتقدم رويداً رويداً من خلف الجندي وهو ينوي قتله بحجره العظيم، وفي هذه الأثناء ركب الجندي الجيب وانصرف من مكانه وتراجع (مروان)، وقد اعتقل (مروان) أثناء احدى المواجهـــــات ومكث ثماني عشــــرة يوماً في  سجن احترازي في أنصار (2) بغـزة، هذا الإقدام الخارق كان الدافـــــع الأكبــــــر لموافقة (مروان) حين تقدم منه (أشرف) يعرض اقتراحاً بقتل عدد كبير من اليهـــــود ... بل كان سبّاقاً إلى الإقـــــدام ثأراً للنار المتأججة في قلبه العامر بحب الله والوطن .

 

وبعد تنفيذ الهجوم الجريء في قلب الكيان لا بد من الضريبة وهي غالية ... أيام وأشهر وسنون من المطاردة والملاحقة الدائمة والدائبة من جند الاحتلال وخفافيش الظلام، وقـدر الله تعالى يضع بصمته فيحفظ (مروان) بعينه التي لا تنام ... حتى يسقط شهيداً على هذه الأرض الطاهرة ... فقـد غادر مروان مدينة غـزة فوراً نحو المنطقة الوسطى في القطاع (المُغراقة) حين افترش الأرض والتحف السماء ... وكانت عناية الله تحوطه في كل حين وعينه تراعاه كل لحظة، حتى أن جنود الاحتلال يعيثون فساداً في مجموعة الأشجار المجاورة للشجرة التي يجلس بظلها المجاهد دون أن يقتربوا منه ... ويذهبون للبحث عنه في منزل أخواله فيما هو يقبع خلف المنزل ينظر إليهم ويلاحق الجنود مجموعة من راشقي الحجارة في مجموعة الأشجار التي يعيش وسطها ولا يلتفتون إليه ...

 

وفي أثناء هذه الحياة الحافلة تعرف (مروان) على بعض إخوانه المجاهدين اللذين التحق بهم في العمل العسكري الذي كانوا يؤدونه في تلك الفترة، ولم تكن قد بدأت حياة المطاردة بشكل واسع ... فالمطاردة لدى (كتائب القسام) مدرسة واسعة افتتحها (مروان) الشهيد ...

 

وكان جل العمل حينها يرتكز على التطهير من العملاء وأذناب الاحتلال فشارك بطلنا المقدام بفاعلية واسعة في هذا المجال، إضافة إلى تنفيذ هجمات ضد قــوات الاحتلال ومستوطنيه وأبرزها قتل (الحاخام دورون) قرب دير البلح بتاريخ 1/1/1992م، وقتــل (ديفيد كوهين) قرب بيت لاهيا بتاريخ 20/5/1992م . كان (مروان) يدفع ثمن هذه المرحلة الحرجة من مضايقات هائلة لأهله حيث أعتقل حوالي خمسة عشر من أبناء عائلته، كما داهم الجيش منزله أكثر من مئة مرة ... هذا عدا إغلاق الاحتلال لمنزل أهله بعد الهجوم الجريء في قلب يافا، فأصبح كلٌ من (مروان) وأهل بيته بلا مأوى، كلٌ في مكانه .

 

و(مروان) يبدو أكثر تصميماً على التحدي حتى الشهادة فوق أرضه الطاهرة فيرفض بإصرار الخروج من أرضه الحنون، وفي أثناء ذلك كان (مروان) يغرق في التفكير الجاد بتنفيذ هجوم استشهادي في قلب الكيان حيث يريد لقاء الله تعالى مقبلاً غير مدبر ... يريد لقاء الله وقد أغاظ العدو ونال منهم مقتلاً، إلاّ أن هذه الخواطر الاستشهادية الرائعة لم تترجم على أرض الواقع لصعوبة الحركة خاصة لمطارد مثل (مروان) .

 

كانت الليالي والأيام تسير متثاقلة في قطاع غزة، حيث الكبت والاضطهاد والشعور بالظلم يجعل عقارب الزمن متوقفة، ولكن الحياة عند مروان كانت تسير بشكل وطعم ولون التحدي الإسلامي القسامي تصبغ الحياة بلون الصراع الممتع ... حيث يشعر (مروان) بكل كيانه بأنه يقاتل من أجل الحق، وهذا جعل لحياة (مروان) طعماً لذيذاً .. فكان شهيدنا يتنقل بين مخيمات ومدن قطاع غزة مع إخوانه الذين التحقوا بركب المطاردة من بعده، وكان فوج المطاردة الأول (لكتائب الشهيد عز الدين القسام) ... حيث انتقلت مجموعة (مروان) بقيادة (ياسر الحسنات) إلى مدينة غـزة، لأن التحرك فيها أوسع مجالاً وأكثر أمناً، حيث البعد عن الحواجز المتكررة والاتصال السريع بين التقاطعات المتناثرة ...

 

رغـــــم كل ذلك يشعــــــر (مروان) بقرب اللقــــاء في ظل ذي الجلال والإكــــــرام ... لذلك كان يوصي أهله دوماً " إذا استشهـــــدت فلا يقام العزاء أكثر من ثلاثــــــة أيام ... وتوزع الحلوى والشراب الطيب وإقامة عرس حقيقي " ... وداعب والده يوماً قائلاً : " لو سمعت خبر استشهادي ماذا تفعل " ... فأجاب والده الصابر أقول " إنا لله وإنا إليه راجعون " ... فقال (مروان) الآن اطمئن .. أوصيـــــك يا والدي " لا تحزن علىّ كثيراً " ... وكان (مروان) لا يلقى أحداً من إخوانه إلا يطلــــــب منه الدعاء له بالشهــــــادة ... فقد كان يعشقها بحق ... والله مطّلع على النوايا فـرزقه إياها .

 

كان العام 1992م العام الثاني لحياة المطاردة لمروان ... رغم ذلك كان الرجل سعيداً بحياة التحدي والصراع ... حيث داعبت نسمات ليل مايو الرقيقة أنفاس المجاهدين الطاهرة وهم يتناقشون في واقعهم الصعـب ... فيما يتذكرون أخاهم الشهيد (طارق دخان) الذي كان بالأمس بينهم ... ردد (مروان) المصاب بعيار ناري في قـدمـه جراء رصاصة صدرت خطأ ... أجاب (ياسر) اليوم يمضي على رحيل (طارق) إلى الرفيق الأعلى ما يزيد عن شهر ونصف ... وأجمع المجاهدون على أنه محظوظ أكثر منهم ... وتمنى كل واحد منهم الشهادة، وخرجت مجموعة من المجاهدين تحمل قطعتي سلاح من نوع كارل غوستاف تحاول بها اصطياد أحـــد اليهـود ... فيما بقى الأبرار الثلاثة (ياسر الحسنات ومحمد قنديل ومروان) وبحوزتهم مسدس وقنبلة يدويه فقط ... وتهامسوا فيما بينهم لقد طال مقامنا في هذا الموقع وعلينا الإســراع في البحث عن موقع بديل حتى لا نُثقـل على أصحــاب المنزل ... وحتى نأمن خفافيـش الظلام التي تراقب تحركات المجاهدين ... وانتقلوا جميعاً إلى غرفة مجاورة حيث أدوا صلاة قيام لله تعالى ... لجأ كل واحد منهم إلى قرآنه يمسكه بيمينه ويتلو من آياته العطرة ما يتروح بها عناء يومه ويعيش معه في جنة الرحمن ...

 

أثناء ذلك كانت قوات العدو الصهيوني تُحكم حلقات الحصار حول المنزل ... وتنبه المجاهدون لذلك فاستعدوا وأخذوا الأهبة الكاملة للمواجهة رغم ضعف الإمكانات وشحها، وأخذ كل واحــدٍ منهم موقعاً، فيما تحركت قوات الاحتلال أسفل المنزل لتهوى قنبلة (ياسر) تزلزل جمعهم ... وتحركت قـوى الحقد اليهودي تقتحم المنزل من كافة الأنحاء وعلى الدرج يلتقي (مروان) بمسدسه مع ضابط حرس حدود برتبة (كولونيل) ويفرغ (مروان) رصاصاته في صدر الضابط ليخر صريعاً، وقد اعترفت إذاعة العدو بذلك، ويسقط العمالقة الثلاثة شهداء، ويلتحق مروان بركب الخالدين، وتتحقق أغلى أمانيه التي نام يحلم بها واستيقظ يذكرها ... ليسقط فدائي القسام الأول مدرجاً بدمه الطاهـر يروي أرض الصبرة الطيب أهلها والتي تمثل جزءاً من بلده وموطنه الأصلي غزة هاشم الفداء ...

 

وقد كظم العدو غيظه من هذه النتيجة في معركة غير متكافئة فخسر كولونيلاً وعدداً من الجرحى من ثلاثة لا يملكون من العتاد شيئاً . من أجل ذلك بدأ العدو يعيد حساباته في كيفية مواجهة أمثال أولئك العظام، لذلك لجأ بعدها إلى قصف المنازل بالصواريخ حتى يأمن المواجهة مع رجال العقيدة .

 

تناقلــــت الأخبار نبــأ استشهاد ثلاثــــــــة من أبناء القســــام منهم منفــــــذ أروع العمليات (مروان الزايغ) الذي تشفى اليهـــــود بمقتلـــــه وأعلنـــــوا أنه مسئول عن قتــــــل ثلاث يهود في يافـا قبل عام ونصف ...

 

وعم الغضب العارم شوارع القطاع، فالتهبت بالنار والثورة وقـذف أبناء الإسلام حمم غضبهم الجارف باتجاه دوريات العدو وآلياته ولبست شوارع القطاع السـواد حداداً على أرواح الشهداء الأفذاذ، وعمت المواجهات العارمة كل المواقـع . ولما سمع (والد مروان) خبر استشهاد ولده قال : الحمد لله الذي أعطى وهو الذي أخذ والأهل ويذكرون (مروان) بدهشة ... هل حقاً هذا هو (مروان) الهادئ الوديع لم يكن قـد تجاوز الثامنة عشرة من عمره يطلق الدنيا ثلاثاً ... فيما يردد أحد الجيران وهو يبكي كيف لا أبكي وقد بكى عليه الشجر والحجر والسماء . فيما اشتهر المسجد الذي كان يؤمه (مروان) فما يكاد  يلتقي شاب بآخر من مسجد (الأيبكي) حتى يبادره الأول أنت من مسجد (مروان) ...

 

غادر (مروان) دنيانا إلى حيث مقره الدائم، في الفردوس الأعلى مع الأنبياء والصديقين والشهداء بإذن الله تعالى ليعلو في رحاب الوجود بعد أن ذكر الله في عمله فذكره تعالى، فهنيئاً للثرى الذي لف الجسد الطاهر وعاشت ذكراه خالدة لأنه خاض التحدي المفروض بكل قوة ... فنال الشهادة .