مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2016-05-30
في ذكرى الرحيل ... الشهيد محمد إسماعيل صيام (شهيد عرفة)
في ذكرى الرحيل ... الشهيد محمد إسماعيل صيام (شهيد عرفة)

 

كان الحجيج يكبرون ويهللون في كل صعيد عند بيت الله الحرام ألحان الطاعة تنبعث من الأفئدة والقلوب . ومع هذه القلوب كانت السواعد الفتية المجاهدة تلهج بالطاعة والدعاء لله تبارك وتعالى على طريقتها الخاصة، حيث انطلق ستة من مجاهدي القسام (عماد عقل - إبراهيم عاشور - محمد صيام - عبد الرحمن حمدان - محمد الضيف - رائد الحلاق)، واستقل الجمع سيارتي (بيجو 504) وكان اللقاء عند البيارة في منطقة التوام بمدينة غـزة، وبدأ المجاهدون بالنشيد " عند البيارة يلا نتجمع بعد ننزل على الغارة والمصحف نور الثورة".

 

وبجوار البيارة نصب المجاهدون الكمين المحكم لدورية عسكرية حيث احتل (محمد صيام ومحمد الضيف) الطرف الجنوبي للبيارة، وما أن ظهر الصيد الثمين حتى انهمرت الرصاصات من كل مكان حتى توقف عن الحركة تماماً، وعلى عجل غادر المجاهدون الموقع بعد أن تركوا صورة للشهيد (حسين أبو اللبن) مكتوب عليها " هذه العملية من كتائب القسام انتقاماً لاستشهاد (حسين أبو اللبن) وإخوانه " .

 

وصلت السيارة التي تقل (محمد صيام وإبراهيم عاشور ورائد الحلاق) إلى موقع المبيت وهم يتمازحون حول العملية ومتعة الجهاد .. وتناولوا طعام العشاء، ثم خرجوا إلى البيارة المجاورة يتسامرون فيها، ومكثـــــوا هناك حتى الفجر حيث انصرفوا للنوم في انتظار اليوم التالي (وقفة عرفة)، فقرروا الصيام تكفيراً عن ذنوبهم، وردد (إبراهيم ومحمد) في وقفة عرفة نصـــــــوم، وما أروع أن ينال الواحـــــــد الشهادة فيه وهو صائم .. فقال (رائد) أنا أريد أن استشهد ليلة القدر، فقال (إبراهيـــــــم) حسناً .. سلم لي على (محمد دخان) كثير السلام، وكان (محمد) في المعتقل .

 

وفي مساء هذا اليوم التاسع والعشرين من مايو من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين قدم (صاحب المنزل) وأخبر المجاهدين أن الجيش الإسرائيلي قد اعتلى سطح العمارة المجاورة، قرروا الخروج ولكنه طمأنهم أنه إجراء روتيني بمناسبة وقفة عرفة وعيد الأضحى المبارك .

 

وفي الساعة الرابعة فجر يوم عرفة أيقظ (إبراهيم) إخوانه لوجود طائرة مروحية عسكرية، وأن هناك حصاراً حول البيت، استيقظ (محمد صيام) واثقاً بالله تبارك وتعالى وقال لأخيه (رائد الحلاق) المجاور له .. لا تخف .

 

وقال (إبراهيم) لأهل البيت " لا تخافوا نحن خارجون "، وصعد أهل البيت السطح ليروا اين يتواجد الجنود .. فعادوا بالخبر اليقين " أنهم يحاصرون كل النواحي " .. خرج المجاهدون وحاولوا اختراق الحصار من كل مكان .

 

وقد اصطدم " إبراهيم " مع الجنود فأطلق النار باتجاههم وكانت بداية المعركة وتمتم .. " لا مفر .. سنقاتل حتى الشهادة .. ومن يستشهد منا يشفع لإخوانه .. فما أجملها من موتة .. اليوم عرفة ونحن صائمون، عما قريب سنلقى الله ونرتاح في الجنة " .

 

وتمركز المجاهدون .. واحتل (محمد) مكاناً لا ساتر فيه .. نادى عليه (رائد) فهتف قائلاً : " لا تخف لن يصيبني إلا ما كتب الله لي " . لم يكن المجاهدون يملكون ذخيرة كافية لذلك كان اطلاق النار بحساب شديد، وفي حوالي الثامنـــــــة صباحاً استقرت رصاصات في جسد إبراهيم ليسقط مدرجاً بدمائه .

 

وبقي (محمد ورائد) يقذفان النيران باتجاه الجنود، وتقدم (محمد) نحو جسد (إبراهيم) محاولاً جلب سلاحه للاستعانة به، فانطلقت نحوه رصاصات سقط إثرها الجسد الطاهر النقي مدرجاً بدمه الزكي وتصعد روحه إلى بارئها بعد أن سطرت ملاحم الفداء والجهاد في كل المواقع . وقد استمرت (معركة اليرموك) حتى الثانية والنصـــف ظهراً اعتقل في نهايتها المجاهــــد (رائد الحلاق)، وفي اليوم التالي للمعركة حضر إلى أرضها قائد كبير في الجيش الإسرائيلي أطلعه القائد الميداني على التفاصيل قائلاً لقد أطلقنا ما يقرب 2 مليون رصاصة، و200 صاروخ، و30 قنبلة على المطلوبين، فقال القائد إن تكرر الحدث كرروا الرد نفسه، وقد أوقع ذلك دماراً هائلاً في منطقة المعركة غدت على إثره مزاراً لسكان غزة وقطاعها شاهدوا بعيونهم الطغيان والظلم والجبروت، فالقصف لم يترك شيئاً حتى دواجن مزرعة مجاورة نالتها القذائف .

 

ونال إثرها (محمد) ما تمنى، فقد سلك طريقاً كان يقرأ نهايته منذ اللحظة الأولى للإنطلاق، فقد كان حريصاً على الشهادة ودائماً يردد فضل الشهيد وجزاءه عند ربه وأن الشهيد لا يشعر بألم القتل إلا كمثل القرصة، وأنه يتمنى أن يلقى الله تبارك وتعالى شهيداً في سبيله، فكان دائم الصمت يرحل بعيداً إلى النهاية، وقد خطط كي يكون هذا الرحيل ميموناً مباركاً، فقرر تـنفيـذ عملية استشهادية داخل الخط الأخضر، ولكن شاءت إرادة الله (لمحمد) هذه الكرامة العظيمة في شهادة عزيزة في يوم من أعظم أيام الله تبارك وتعالى .

 

وما إن تنامى خبر استشهاد (محمد) لأهله وأحبائه حتى حمدوا الله تبارك وتعالى فطالما ابتهلوا إليه عز وجل ألا يسقط (محمد) أسيراً في أيدي الاحتلال وأن تـقــر عينهم باستشهاده، وردوا على الضابط العسكري الذي نقل إليهم جثمان الشهيد لدفنه قائلين " لقد تشرفنا بشهادة محمد " .

 

وتذكروا جميعاً محمد الصفحة البيضاء النقية، وما طلب شيئاً في حياته عدا الشهادة، تذكروا الفتى الخلوق الذكي الذي حاز خصال الخير ورفض جيرانه رفع حجر كبير في الحي كان محمد يجلس عليه باستمرار وقالوا " سيبقى هذا الحجر يذكرنا بمحمد ولن نرفعه أبداً " .

 

كان كل شـيء يرسم صورة (لمحمـــــد) في قلوب كل من عرفه منذ اليوم الأول لميلاده الميمون فــــــي السادس عشــــر من أبريل من العام ألف وتسعمائة وثلاث وسبعيــــن فــي مخيـــــم (خانيونس) للاجئيــــن بعد أن رحل والده إسماعيل عبد القــــادر صيام مع المهاجرين من قرية الجـــــورة (عسقلان) .

 

وفي كنف والديه وفي ظلال (مسجد الشافعي) بخانيونس تفتقت قريحة (محمد) وغدا عنواناً للذكاء الخارق  والنجابة مما أكسبه حباً أكبر من إخوانه ومن مدرسيه في كافة مراحل دراسته، وقد أقسم أحد المدرسين أنه ما رأى في حياته طالباً أذكى منه ولا أكثر أدباً وأنه يحبه مثل ولده تماماً . وفي أحد الأيام طلب منه مدرسه أن يساعده في تصحيح أوراق امتحان، فغاب عن المنزل وتأخر حتى حل الظلام قدم المدرس معه ليعتذر عن تأخر (محمد) عن منزله .

 

أضفى على هذا الذكاء جاذبية خاصة الحياء الملازم للفتى الذكي إضافة إلى هدوئه الدائم واتزانه المنقطع النظير، وكم اختلى (محمد) بذاته مستغرقاً في التفكير والإبداع في شتى المجالات، وفي أثناء عمله العسكري كان يبتكر مركبات كيميائية عسكرية، وقد أعد ذات يوم كمية كبيرة من الذخيرة خلطها ووجهها نحو معسكر الجيش واشعل فيها النار مما جعل الرصاصات تنطلق نحو الجيش ومعسكره لمدة (20 دقيقة)، وقد رد الجيش بإطلاق النار على الرصاص الموجه بشكل علمي، كما كان أول من فكر بإعداد السيارات المفخخة وقدم لمسئوله في جهاز الأمن مقترحاً كاملاً بإعداد السيارات المفخخة وطرق تفجيرها مما حدا بقوات الاحتلال البحث عنه بكل قوة فترة مطاردته .

 

هذا عدا عـــــن موهبتــــه العاليـــــــة في الخط العربي الجميل، وكم برزت هذه الموهبة واضحة جلية على جـــــدران (مخيم خانيونـــــــس) من خــــلال شعارات الإنتفاضة وحماس الممهرة بخاتم الأصابع الذهبية (لمحمد) .

 

كان فنـاناً متعدد المواهب مما جعله قبلة لكل أقرانه، فحيثما اتجهت وجدت (محمد) قبالتك عاملاً مجتهداً لدين الله تبارك وتعالى، فهو محافظ منقطع النظير على عباداته خاصة صلاة الفجر - ما انقطع عنها - وملتزمٌ بأخلاق الإسلام وجلسات تعلُّمه المتعددة .

 

لم ينقطع يوماً عن مجلس علم ؛ تراه ينهل بكل قوة حتى فاق أقرانه بل تجاوز أجيالاً سبقته، وكان هذا العلم دافعاً أكيداً، (إضافة إلى غيرته الشديدة على إسلامه) كي ينطلق (محمد) في ميدان الدعوة لدين الله تبارك وتعالى، فكنت تراه يقضي ساعات طويلة في إقـنـاع أحد الضالين وتقديم النصح له لإعادته لحظيرة الإسلام . وفي الرياضة كنت تراه بارزاً في لعبة كرة القدم فكان رياضياً موهوباً، هذا عدا عن مواهبه الأمنية، وكان أبرز ما يميزه السرية والكتمان . كانت هذه المواهب الجمة الدافع الأكيد كي يلتحق (محمد) مبكراً بصفوف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ليرسم بخطه الجميل وعلبة طلائه في كل المواقع اسم (حماس) الذي عشقه منذ نعومة أظفاره .

 

وكان العناد صفة أساسية (لمحمد) في مواجهته ليهود، فكان مواجهاً صلباً عنيداً رغم هدوئه الشديد واتزانه الكامل . وفي أحد أيام حظر التجول في مخيم (خانيونس) كان يقبع (محمد) فوق سطح منزله حينما شاهدته دورية راجلة صعدت نحوه مصرين على إنزاله واعتقاله وهو يرفض بكل شدة ويقاوم، واستمر ذلك فترة من الزمن حتى انزلوه من علٍ بكل قوة، وألقوه من السطح إلى الأرض، قضى أثرها ليلة واحدة في مركز خانيونس تعرض فيها للضرب المبرح .. ولكنه عاد بنفسيه صلبة متينة تهزأ بالجمع المحيط به .

 

وقد دفعته غيرته إلى مساعــــــدة والده لمواجهــــة شئون الحياة العصيبة ونفقاتها إلى بيع الفلافل في كشك مجــــاور لمنزلهم، وذات يوم بينما هو يؤدي عمله اندفعت مجموعة من الجنود داخل الكشك محاولة اعتقاله لكنه أمسك بكل عناد بعمـــود مجاور ولم تفلح كل محاولاتهم في اقتياده على الرغـــم من تهديده بوضـــــع المسدس في رأسه، فتركوه راغمين بعد أن أخذوا بطاقتـــه الشخصيــــة .

 

كل ذلك كان دافعاً لأن يتولى محمد مواقع هامة في العمل الحركي ونتيجة تميـــــزه بقوة التحليل والتفكير العميق والكتمان الأكيد، فقد وقـــع عليه الاختيار ليكون مسئول الأمن في مسجد الشافعي، ثم مسئول لجهــــــاز الأمن (مجد) فــــــي منطقـــــــــة خانيونـــــــــس .

 

وقد بادر في مهمته هذه لأول مرة وبشكل اجتهادي في جمــع معلومات كاملة عن المستوطنات، فكان يرقبها الساعات الطوال لمعرفة كافة التحركــات والتفاصيل عـن هذه المستوطنات باعتبارها هدفاً مركزياً للسواعد المجاهدة، وربما من خلال معلوماته الجمة عن تلك المواقع حدثت الكثير من العمليات العسكرية التي نفذها مجاهدو القسام في قلب تجمع مستوطنات (غوش قطيف) .

 

وعلى إثر استشهاد القائد (ياسر النمروطي) الذي كان يمثل (لمحمد) نموذج التضحية والفداء الأول، فهو معلمه وأستاذه في مسجد الشافعي، تقدم (محمد) مع مجموعة من (كتائب القسام) ناحية إحدى المستوطنات وهاجمها بالأسلحة النارية ثأراً لدماء الشهيد الغالي (أبي معاذ) .

 

ولم يكن هذا النشاط والعزم الحركي بديلاً عن العمل الدعوي، فقد التحق محمد بركب جماعة (الإخوان المسلمين) ومارس من خلالها كافة الأنشطة الإسلامية .

 

ولمّا وقع القصف في (حي الأمل) وتم اعتقال عدد من المجاهدين جاء الاعتراف أن (محمد صيام) هو مسئول الجهاز الأمني في منطقة خانيونس إضافة تقديمه مقترحات عملية لفكرة السيارات المفخخة . ومن لحظتها غادر (محمد) البيت ولم يره أحد مطلقاً حتى سمعوا بنبأ استشهاده، فقد كان يحمل العتاد والعزم الكافي ليسد كل أبواب العاطفة ويدخل نحو هدفه بكل مضاء وكبرياء، وبعد تأكد نبأ استشهاده توافدت الحشود مهنأة بالشهيد الغالي، وأقيم سرادق عظيم .

 

وفي اليوم التالي لشهادته رأته أمه في المنام في الجنة وسط الحور العين ويسلم على بعض الشباب من إخوانه الذين ذكرتهم .

 

وفي أيام العزاء الثلاث داومت حمامتان بيضاوان على الوقوف على صورة الشهيد بشكل يومي، وفي زمن محدد وقد لفتت هذه الظاهرة أنظار الجميع الذين وقفوا مندهشين لهذه الكرامة الغالية (لمحمد) ذلك الفتى الوديع الخلوق الألمعي، ما توقع أحد أن يكون ضمن صفوف العمل العسكري وجنود الخندق الأمامي للمواجهة .

 

فوقفوا جميعاً يؤدون التحية العسكرية لهذا الشاب المجاهد الذي رحل على عجل إلى لقاء الله تبارك وتعالى ... رحل بعد أن خط بجهده قصة عطاء منقطع النظير في شتى مجالات العمل الإسلامي، وبعد أن سطر بدمه ملحمة بطولية رائعة ترسم خلالها قصة الصراع القادم وجسد فيها نماذج الفدائية الأولى لتحكي الأجيال من بعده قصة فداء وتضحية تجاوزت حدود الزمن وتسامت فوق الأهواء وارتفعت الروح إلى عليين تزفها الملائكة وتستقبلها الحور العين في يوم كريم في لحظة طاعة كاملة لله رب العالمين .

 

رحم الله شهيدنا وأسكنه الفردوس الأعلى