مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2015-10-24
الاحتلال الاسرائيلي في مواجهة انتفاضة القدس
الاحتلال الاسرائيلي في مواجهة انتفاضة القدس

للباحث/ رامي أحمد ابو زبيدة

 

منذ ثلاثة اسابيع ونيف والجيش الإسرائيلي يتصدى لانتفاضة القدس الشعبية في المناطق المحتلة، لكنه عبثاً يحاول إخمادها، فهي في تمدد واتساع مستمر، بدأت صعوبات الجيش الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة عندما فوجىء بحجمها وأبعادها، ففي البداية، تعامل معها كحوادث طارئة على أمل إنهائها والقضاء عليها خلال فترة زمنية قصيرة، وراهن قادة هذا الجيش، منذ البداية، على عدم قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود، بسبب الانقسام الفلسطيني والوضع العربي المشتت ، فكلما استمرت الانتفاضة وتصاعدت وانتهجت أساليب جديدة للتصدي لقوات الاحتلال، اكتسبت القضية الفلسطينية تأييداً سياسياً عالمياً عارماً، وتعرض الجيش الإسرائيلي للنقد والطعن في الداخل والخارج وفقد الكثير من الهالة التي اكتسبها في الماضي، وفقد الكثير من قدرته الرادعة، وهنا لم يكن أمام القيادة السياسية من وسيلة سوى حشد جميع أجهزتها الميدانية في المناطق المحتلة، من جيش وشرطة وجهاز مخابرات عامة (شاباك) وإدارة مدنية وقضاء عسكري وإدارة سجون ومرافق اعتقال.

 

يستخدم الاحتلال جميع وسائل القمع، ابتداء بالهراوة ، والغاز المسيل للدموع ومروراً برصاص البلاستيك واستخدام العيارات النارية الحيّة ، في سبيل القضاء على انتفاضة القدس، ويبقى التأثيرات الأبرز للانتفاضة على الجيش الإسرائيلي، هو الارتباك في تعيين هدف الحرب ضد الانتفاضة والمتغيرات التي حدثت على صعيد "معادلة الأمن القومي"، ناهيك باهتزام مكانة القيادة العليا وفشلها في قمع الانتفاضة، بما احدثته من مفاجأة وإرتباك، فكان واضحاً منذ تفجر الانتفاضة أنها أربكت قيادة الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي جعلها عاجزة عن قراءة صحيحة لحجمها وأبعادها ومراميها، علماً بأن المناطق المحتلة شهدت عشية الانتفاضة حوادث كثيرة ومتنوعة ضد قوات الاحتلال وبالأخص في احياء القدس الثائرة منذ شهور، غير أن القيادة العسكرية، شأنها شأن القيادة السياسية، أصرت على اعتبار هذه الحوادث أنها مجرد أعمال طارئة ومحدودة  يمكن السيطرة عليها، وحتى عندما بدأت الأحداث تتخذ منحى مختلفاً من حيث حدتها وتنوعها وتوزعها الجغرافي، كانت القيادة الإسرائيلية لا تحسن قراءة مداها وأفقها. بل نظرت إليها باستخفاف انطلاقاً من قناعة بأن أهالي الضفة الغربية وغزة والداخل الفلسطيني  عاجزون في هذه المرحلة عن المبادرة إلى أي عمل منظم ضد الاحتلال

ولهذا، وجد قادة إسرائيل أنفسهم أسرى مفهوم الغطرسة والقوة، على الرغم من الغليان الذي يسود المناطق المحتلة. وهم يحتاجون إلى مزيد من الوقت لدراسة الموقف واختبار وسائلهم القمعية المتنوعة على الرغم من مرور أكثر من أسبوعين على اندلاع الانتفاضة، فقد بقيت القيادة العسكرية واقعة تحت "صدمة" المفاجأة، إذ أن رهانها على قمعها خلال فترة قصيرة ذهب أدراج الرياح مع تصاعد الانتفاضة واتساع رقعتها فها هو وزير الدفاع يعلون يقول : لا استطيع سحب جميع سكاكين المطبخ من شرق القدس، كما يقول "غادي آيزنكوت" قائد الجيش الإسرائيلي: لا وجود لحل عسكري أمام الجيش لوقف العمليات الفلسطينية، لأن منفذيها ليسوا منظمين ولا ينتمون لأي فصيل، ويعترف الاسرائليون أن السكاكين التي طعنت الاسرائيليين منذ 4 أكتوبر، كشفت "البطن الضعيفة لإسرائيل، فالجبهة الداخلية قابلة للاصابة أكثر مما اعتقدت، والحديث لا يدور فقط عن الخوف الذي تسببت به السكاكين لشعب كامل، بل عن تأثيرها على مجريات الحياة والمعنويات.

 

ومن بوادر الارتباك أن القيادة الإسرائيلية لم تستطع تحديد طبيعة الوضع القائم بدقة: هل هي انتفاضة ؟ وإذا كانت كذلك، كيف يمكن التعامل معها وبأية وسائل؟ وإذا كانت حالة طارئة محدودة كيف يمكن وضع حد لها.

 

في الحكومة الإسرائيلية، مثلاً، ساد اتفاق بقواعد مختلفة، ورفض معظم الوزراء اعتبارها انتفاضة، بل أن معظمهم يريد أن يراها حالة محدودة يمكن القضاء عليها دفعة واحدة، لكن الاحداث على الارض وتتابعها يؤشر لاستمرار انتفاضة القدس لكنها الان بمرحلتها الاولى التي تأخذ الطابع الشعبي الغير منظم. إن الأثر الأبرز الذي تحدثه الانتفاضة في الجيش الإسرائيلي، على الصعيد العملياتي – الاستراتيجي، يتمثل في المتغيرات التي تطرأ على معادلة "الأمن القومي الإسرائيلية وعلى النظرية العسكرية من خلال:

 

  أولاً: تغير النظرة إلى العدو: لم يعد "العدو" في ظل محاربة الانتفاضة هي جيوشاً عربية وفصائل جرارة تتسلح بكميات هائلة من الأسلحة، بل أن "العدو" هذه المرة، هو الشعب صاحب القضية الأولى. اي أن الانتفاضة نقلت الصراع من الساحة التي أرادت إسرائيل حصرها فيها: ارهاب "متعصب"، يريد تدمير إسرائيل، إلى ساحته الحقيقية، ساحة أصحاب الحق الشرعي في الدفاع عن النفس ضد الاحتلال ،  وأصبح يطارد النساء والأطفال الذين يستحيل قهرهم بالقوة العسكرية. إذاً إسرائيل ليست هي المبادرة إلى تحديد "العدو" لضربه وتحقيق مآربها السياسية والاستراتيجية. بل أن "العدو" هذه المرة هو الذي يبادر. والشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة لم يعد يأبه للتصريحات والتهديدات التي أُطلقت خلال الانتفاضة.

 

ثانياً: تغير دور الجيش الإسرائيلي: نظراً إلى أن الانتفاضة هي الحدث الأهم في هذه المرحلة، في غياب أية أخطار عسكرية أو استراتيجية داهمة تتهدد إسرائيل، فمن الطبيعي أن يطرح للنقاش دور الجيش الإسرائيلي ونظريته القتالية. فهذا الجيش كان "مكفّلاً" بإلحاق "الهزيمة" بالجيوش خلال فترة قصيرة، بعد أن ينقل المعركة إلى "أرض العدو". لكن الانتفاضة هي التي نقلت المعركة إلى "أرض عدوها"، إلى داخل إسرائيل. "الانتفاضة انزلقت إلى داخل الخط الأخضر"، كما يقولون. ومن هنا، تغير دور الجيش الإسرائيلي من "هازم" جيوش إلى مطارد أطفال وشباب الانتفاضة في الأزقة.

ويمكن القول إن بعض التحول في دور الجيش الإسرائيلي يتمثل في التغيير الذي طرأ على نظامه العملياتي وانتشاره الميداني، جيش كامل تحول إلى قوة دورية لفترات طويلة. ويستحيل ألا يؤثر ذلك سلباً في المستويين العسكري والمهني لهذا الجيش، وهذا يتطلب طبعاً تغييرات شاملة في التكتيك والأساليب التي تبتعد كلياً عن فنون القتال العسكرية الحديثة، وليس لها أية علاقة بميدان القتال المستقبلي. أي، كما يقول أحد الخبراء، استخدام أساليب جديدة وفعالة تتلخص، من الناحية النظرية، في تغيير الهدف المركزي: التصدي للجماهير والقتال ضد أهداف محددة مثل [مطاردة] المطلوبين، وكذلك الملثمين والنشيطين والقادة، وبالتالي فإن الفنون العسكرية التي يتعلمها قادة هذا الجيش وجنوده تتدنى من التعلم على استخدام أحدث الأجهزة الإلكترونية والطائرات والصواريخ والدبابات إلى استخدام الهراوات والتخصص بالمطاردات وتفريق التظاهرات وتكسير الأضلاع، والترجمة العملية لهذا التحول هي هدر الوقت والجهد اللازمين لمتابعة تطوير الآلة العسكرية الإسرائيلية بالمقاييس الأساسية التي وضعت لها قبل الانتفاضة.

 

ثالثاً: فقدان زمام المبادرة وتآكل الردع: يترتب على فقدان إسرائيل زمام المبادرة، لجهة تحديد الأهداف التكتيكية والاستراتيجية للمواجهة، بعض العيوب التي تبرز الآن في معادلة "الأمن القومي" الإسرائيلية، وهي: إن المواجهة تتسم بطابع "اللاخيار" الذي لايسمح بالتراجع. لا يجوز لنا السماح للانتفاضة بأن تتطور، ولا يجوز لنا أن نفقد السيطرة اليومية على مليون مواطن عربي، وهذا يضفي على المواجهة طابع الحرب الطويلة ، ويتطلب استمرار المواجهة فترة طويلة أعباء مالية كبيرة؛ فقد ذكرت صحيفة “مكور ريشون” العبرية أن ثمن شهر من الانتفاضة سيكون خسارة 5 مليار شيقل من الدخل القومي العام وغالبيته سيكون من قطاع السياحة الذي تلقى ضربة قاسية بالقدس المحتلة مع انخفاض الحجوزات الفندقية بنسبة وصلت إلى 50% منذ بداية شهر أكتوبر الحالي. وقالت الصحيفة إن ثمن عمليات الطعن والدهس وإطلاق النار سيكون خسارة الاقتصاد الإسرائيلي ل 10.5مليار شيقل(التكاليف المباشرة وغير المباشرة) إذا ما استمرت الانتفاضة الحالية خلال الشهرين القادمين ما يهدد بإدخال الاقتصاد الإسرائيلي بفترة ركود على خلفية تردي الوضع الأمني.

 

إن استمرار المواجهة لفترة طويلة إنما هو نقيض النظرية العسكرية الدفاعية – الهجومية التقليدية، التي تعتمد على قدرة إسرائيل على الردع، وتحسين القدرة القتالية للجيش الإسرائيلي بنسب تدمير معقولة، وحسم الحرب في أسرع وقت ممكن بعد نقلها إلى ارض العدو وفي أوضاع معينة شن هجوم استباقي .

 

إذا هي انتفاضه مكتمله الاركان والملامح والاسباب والدوافع كما اكتمال البدر في السماء ، في اقل من اسبوعين كسرت نظريات الامن الصهيوني وانهارت المنظومه الامنيه في القدس والضفه وال 48 وعلى حدود غزة واصيب المجتمع الصهيوني بحاله هلع ورعب لم يسبق لها مثيل واصبح نتنياهو وحكومته على المحك فما أحوجنا في هذا الوقت للنفس الطويل ورص الصوف نحو هدف واحد وهو انهاء الاحتلال الاسرائلي .