الليل بدأ يرخي سدولــــه، ونسائـــــم باردة تهــــــب تؤذن بقدوم فصل الشتاء مساء الأول من أكتوبر من عـــــام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعــــين على مخيم البريج إحدى قلاع المواجهة والتحـــــدي لأي غزو يطأ هــــذه الأرض..
لم تكن النسمات الباردة والليل الداكن فقط ما يميزان تلك الليلة في هذا المخيم الذي هاجم قبل مدة بسيطة جندياً إسرائيلياً دخل بقدميه بؤرة النيران، فالتهمته دون وجل ليحاسب رابين المخيم حساباً عسيراً... ولكن أشد ما يميز تلك الليلة الأعداد الهائلة من جنود الاحتلال التي دخلت المخيم بصمت لم يزعج صمت الليل.
القوات العسكرية الإسرائيلية الراجلة تزحف رويداً رويداً نحو قلعة التحدي حيث يرفع لواء المقاومة ويقبع الأسد الهصور (أبو جعفر)، والذي لم يكن بحال غافلاً عما يفعل الظالمون، فانتفض واستعدت كل جوارحه للزحف الآتي، وطال الانتظار حتى أشرفت الساعة على الثانية صباحاً حين دوى صوت طائرة هليوكبتر إسرائيلية حلقت في الأجواء، يدب اليقين في قلب (أبي جعفر) أن اللقاء قد اقترب والساعة قد أزفت، ربت على كتف رفيق الدرب موسى السيد وأيقظه وشحذ من همته، راجياً منه الخروج إذا سنحت الفرصة حيث أن موسى لم يكن مطارداً لقوات الاحتلال.
تمترس رافع اللواء خلف رشاشه البتار وأخذ يعد الرصاصات التي يمتلكها، وكم من الزمن يستطيع الصمود مع هذا المخزون المحدود، ثم أقبل على الله بالصلاة والدعاء بأن يقذف في القلب السكينة وأن يقبله شهيداً في صفوف الخالدين.
اقتربت الساعة الخامسة فجر الثانــــي من أكتوبر من العام ألف وتسعمائة وثلاث وتسعين، وبدأت مكبرات الصوت تنادي السكان الخروج من منازلهم، خرج أهل المنزل الذي تحصن به المجاهدان، وأصر (حامد) على أن يخرج (موسى) ضمن الأهالي، وأقسم (موسى) أن يحيا مع (حامد) أو يموت معه، فبقي موسى متحصناً مع حامد رافضاً الخـــــروج، يقبض كل منهــــما على رشاشه البتار، يعلن معركة التحدي غير المتكافئة.
انطلق القصف يدوي، يهدم أركان قلعة التحدي الشامخة وانصبت حمم النيران من فوق الأسطح المجاورة تستهدف المجاهدين اللذين تسترا خلف الجدران وبدءا بإطلاق رصاصات متناثرة بهدف الاستفادة القصوى من المخزون الدفاعي، وهما يبتهلان إلى الله تبارك وتعالى أن يسدد رميهما، وأن يصيب من يهود مقتلاً بأيديهما..
والله يقبل دعاء عبيده، فقد أطلـــــق الساعــــد القسامي قنبلة يدوية استقرت وسط مجموعة من الجنود مما أدى إلى مقتل جنــــدي وإصابة آخر، وتصاعد القذائف الصاروخية جراء هذا التحــــدي الخطير لدولة بكامل عتادهـــا تواجه شابيـــن لا يملكان ذخيرة كافيــــة، وبعد كل فترة من القصف المتواصل كانت قوات الاحتلال تحاول اقتحام المنزل ولا تجــــــد إلى ذلك سبيلاً، تعود أدراجها مهزومة وتجدد القصف النازي الهمجي.
استمرت المقاومة الفدائية الصلبة حتى الثالثة عصر هذا اليوم المبارك حتى تمكنت قوات الاحتلال من اقتحام المنزل بعد أن أصابت قذيفة جسد (رافع اللـــواء)، (أبي جعفر) لتشطـــره نصفين ترتقي الروح في سماء الخالدين ويعبث الحاقدون بالجسد، " وما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها "، أما علمتم أن أبا جعفر قد نهل من معين القرآن حتى نضج به اليقين في فاستوت في عينه الدنيا، ذهبها ومدرها، وما عاد يرى في خاطره إلا الجنات والخلود في ظل عدالة السماء. فاستل رشاشه وأعلنها حرباً مدوية استمر في مقارعتهم عشــــر ساعات كاملة لا يعــــــرف جبنهــــــم إلى شجاعتـه طريقـاً.
وها هو القلب الساكن بنور القرآن المتــــذوق حلاوة الإيمان يتمدد ساكناً، يستقر في المقـــــام في أرض البريج الطاهرة، وكم فيها شهداء كرام من حملة القـــــرآن رددوا آياته البينـــــات، فحملتهــا النسائم صاعدة إلى السماوات العلا... استمعت الملائكة من عالمها إلى ترتيلهم العذب وخشعت الكائنات لأمجادهـــــم النورانيــــة، ثم ها هما حامد وموسى ينامان فيك يا أرض البريج شهيديــــن... بعد أن أقـــــر الله عيونهما بما أحبا، فأجزل لهما العطاء عطاءً، وفاضت أنعم الواحد الديان.
لم تكن هذه الروح التواقة إلى لقاء الله تبارك وتعالى تنقضي في غير درب الشهادة والقسام.. حامد.. ذاك الليث الذي رفع الراية وأبقى على منطقة المخيمات الوسطى بعد رحيل طارق وياسر معلماً من معالم القسام الرائدة. ولم لا يكون (أبو جعفر) رافعاً للواء وقد رضع حليب طفولته في بيت الله ونهل منذ الصغر من نبع القرآن الصافي، ولمّا غدا شبلاً كان حمامة المسجد، الأكثر حضوراً ومواظبة على الصلوات، ولمّا استوى (أبو جعفر) على سوقه أغاظ الكفار، فقد كان عملاقاً في الشجاعة والتحدي، رفض المحتل منذ أن وعي وجودهم على أرض القطاع وأقسم على أن يرفع اللواء، ويعلن الحرب ضدهم، فكان إلتحاقه بركب المجاهدين من كتائب الشهيد عز الدين القسام حدثاً طبيعياً لهذا النبت الأصيل، فكان الانتماء المبكر للجناح العسكري لحركة (حماس) ترجمة حقيقية لشعار رفعه أبو جعفر منذ أن شب عن الطوق فقال : " بذل الروح.. أول الطريق ".
وقد ساهم الزهـــــد الكبيـــــر في الدنيا، في هذه النشـــــأة الجهادية الصافية، إذ أنه ما نافس على الدنيا أو رغب ولو بالحد الأدنى منهــــــا، فلم يكـــــن لها أي حظ في حياته أو بأي اهتمام من نشاطه اليومي الفعّال. وكان أبرز معالـــــم ذلك الكرم الأصيل والسخاء المتواصل في سبيل دين الله تبارك وتعالى، فلم يكن يمــــــر يوم دون أن يستضيف (أبو جعفر) بعض إخوانه على طعام العشاء، ومن ثم يضفي علــــــى هذه اللقاءات روحه المرحة الفياضة حباً وعطاءً، فغرس في نفس وقلــــوب إخوانه أشتال المحبة التي نمت حتى غدت أشجاراً يتذوق إخوانه رحيقها حتى يومنا هـــــذا.
وكم كان هذا النهج مساهماً في هداية الكثير من أبناء مخيمه إلى دين الله على يديه والتصاقه بشخصه حتى كان حقاً حامل اللواء ينطلق الجمع حيثما تحرك (أبو جعفر) حاملاً لواء الحق الخفاق في ربوع مخيم البريج. لم تكن قد استقرت أمور المهجرين من بلادهم الذين يعيشون على لحن العودة صباح مساء، ولكن اللحن بدأ يخفت بعد حرب (النكبة 67) في حزيران من العام ألف وتسعمائة وسبع وستين. والشيخ سالم القريناوي شد من أوتاد خيمته مؤذناً بمزيد من البقاء على أرض مخيم البريج، وفي اليوم الثالث من شهر مارس/ آذار من العام ألف وتسعمائة وتسع وستين أطل على دنياه أصغر أبنائه (حامد)، حمداً لله على نعمه العظيمة بأن رزقه الله البنين كي يكونوا جسور العودة إلى (بئر السبع) المدينة الفلسطينية الجنوبية، معلم الصمود والتي رحل منها الشيخ سالم، ولازالت ترانيم العودة ترن في أذنيه تعزف لحناً رقيقاً لا ينساه، والأيام تتوالى، والاستعلاء اليهودي يتزايد...
كان الشيخ سالم معلماً من معالم مخيم البريج، يعمل موظفاً في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وبيته محط الرجال يرتاده جل أهل المخيم ينهلون من حكمة هذا الشيخ الجلد الصبور، وكان أكثر ما يميز الشيخ سالم الجود والكرم والسخاء وتلك صفات ورثها كابراً عن كابر، حتى ورثها (حامد) عنه منذ نعومة أظفاره.
شب الطفل في كنف والديه، والتحق بالمدرسة الابتدائية ونهل من معين العلم يتزود من أجل رحلة العودة المظفرة. والتحـــــق في بيت الله ينهل من المعيـــن الصافي منذ أن بلغ العاشرة من عمره، ورغم أن حامد أصغر إخوانه، إلا أنه كان المبادر للالتحاق ببيت الله، وكان حينها في الصف الخامس الابتدائي، حين اعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، وكان الشيخ سالم يشجــــع ولده على هذا العمل المحمود، فيذهب إليه بالطعام يومياً، ولمّا انقضت العشر الأواخر، وعاد إلى البيــــــت أرادت زوجة أخيه أن تسلم عليه، رفض قائـــــلاً: أنا لا أصافــح النســــاء، وقد قال لنا الشيخ في المسجد أن مصافحـــــة النساء حرام.
شب الفتى الصغير في طاعة الله، آيات القرآن الكريم ترسم أمامه معالم الطريق حتى اكتمل الفتى قوةً وجمالاً وجهاداً، رغم صغر سنه، فكان يرى وجوب حمل الأرواح على الأكف فداءً لهذا اللواء الأقـــــدس والراية الأكرم.
هذا التميز بالحس الإسلامي المرهف والغيرة الشديدة على دين الله تبارك وتعالى، تدفع الفتى رغم حداثة سنه نحو الجامعة الإسلامية يدافع عنه، وقد ولّد في ذهن الفتى هذا الجهاد المبكر ارتباطاً عظيماً بهذه الجامعـــــة، فما كاد ينهي دراستـــــه الثانوية حتى التحق للدراسة في الجامعــــة الإسلاميــــــة التي عشقها.
وكان الفتى يقضي كثيراً من وقته في غرفة لعب الأثقال، وبناء الأجسام محاولة منه لإعداد جسده ليوم الجهاد، وهو يردد دوماً : " المؤمن القوي خير وأحب إلـــــــى اللــه مـــــن المؤمـــــن الضعيف "، ثم يتجه إلى شاطئ البحر يقضي ساعات يمارس رياضته المحبوبة (السباحة) حتى غدا أحد السباحين المهرة، عدا عن ممارسته لعبة كرة القدم.
ولم تكن هذه الشخصية المتميزة التي تشربت روح الإسلام منذ نعومة أظفارها تغيب عن عين (الإخوان المسلمين) الذين سرعان ما التحق بهم حامد وتدرج في العمل حتى درجة (نقيب). ولم يكن يقنع حامد بالجهد الدعوي في مجال عمله، كان يسأل دوماً عن العمل العسكري والجهاد في سبيل الله، لم يطل انتظار (أبي جعفر)، فقد أشرقت شمس الانتفاضة المباركة حتى امتشق حامد حجارته وانطلق يلاحق شذاد الآفاق يرجمهم في كل مكان، فكان علماً من أعلام المواجهة في مخيم البريج.
وقد منحه الله جسداً قوياً ساعده على تحمل إيذاء جنود الاحتلال، في الشهور الأولى للانتفاضة منعت قوات الاحتلال التجول على أهل المخيم ولكن (أبا جعفر) لا يخضع لإجراءاتهم التعسفية، فيخرج للمواجهة في منع التجول.وفي يوم وقفة عرفة في أحد أيام الانتفاضة، انطلق أبو جعفر ليبحث عن فريسة تقر بها عينه، فقابلته قوات راجلة في زقاق قذفوا نحوه صلية رصاص مطاطي أثخنته بالجراح، ثم انهالوا عليه ضرباً، وهم يلحون في السؤال أين بيتك وإجابة واحدة منه لم تتغير (لا أعلم ؟؟!!) وكان المنزل على بعد خطوات من موقع الحدث، واستمروا في ضربه بكل قسوة دون أن يبلغهم، ثم اقتادوه إلى المعتقل حيث أمضى أيام العيد في المعتقل، وكان صائماً حين اعتقاله (يوم عرفة) ولم يفطر حتى ظهر (يوم عيد الأضحى).
ولما انطلق العمل الإسلامي الجهادي المنظم في مطلع الانتفاضة كان (أبو جعفر) من أوائل أولئك الذين شغلوا مواقع الجهاد والمقاومة، فكان عضواً فاعلاً في جهاز الأحداث الذي أشرف على تصعيد الانتفاضة وقيادة فعالياتها اليومية، ثم اختارته قيادة منطقة البريج ليعمل ضمن جهاز الأمن والدعوة (مجد)، حيث عمل مسئولاً عن مجموعة، أضفى وجود (أبي جعفر) في هذا النطاق على شخصيته أبعاداً جديدة حيث المزيد من السرية والدقة والأمانة، وتحركت مجموعة (أبي جعفر) بفاعلية ضد أوكار الفساد في المنطقة.
ولكن روح الجهاد والمقاومة العسكرية والاستشهاد لم تكن تفارق أبا جعفر لحظة واحدة، فهو ينتظر ذاك اليوم الذي يلتحق فيه بصفوف الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) رغم إدراكه الكامل أنه يؤدي دوراً فعّالاً لا يقل تأثيراً عن دور العاملين في (الجناح العسكري).
ولمّا انطلقت كتائب القســـــام كان الالتحاق السريع بالركب الفدائي الأول في مخيم البريج، حيث عمل مع إخوانه مجاهدي القسام على إقامـــــة النواة الأولى للعمل القسامي الرائد الذي انطلق بشكــــــل فاعل في المخيمات الوسطى، وساهـــــم في ذلك (أبو جعفر)، ثم قدّر الله له أن يحفـــــظ أبو جعفر العمـــل العسكري فـــــي تلك المنطقــــة الاستراتيجيــــة مـــــن الذوبان.
وما أن تنامى إلى مسمع (أبي جعفر) أن أحد إخوانه قد اعترف بمسئوليته عن بعض الأعمال الخطيرة حتى كان قراره المسبق بإعلان المطاردة لأعداء الله تبارك وتعالى وبدأ حياة جديدة مكسوة بثوب الفخر والعز والإباء وقوامها الصبر والجلــــد والتضحية، وكان حامد نعم الفارس، ركب فرســــه وامتشق سلاحــــه، وشــــق الـــــدرب يرفــــع اللــواء.
كان خيار الجهاد والاستشهاد الأول والأخير في حياة رافع اللــــواء وقناعاته اليومية تترسخ بحسن الاختيار وصلابة الموقف على هـــــذا الاختيـــــار، وظهر ذلك جلياً واضحاً في رسالة (أبي جعفر) لإخوانه في بداية المطاردة قائلاً لهم (نظرت في واقع مجتمعنا الفلسطيني فوجدت أن الواجب يحتم علي أن أعمل وأن أجاهد من أجل تحرير الوطن من مغتصبيه، وأنا من أحفاد الصحابـــــة أتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال : " من لم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مــــــات على شعبـــــة مــن النفاق " فمن الواجب علينا أن نقدم ضريبـــة الـــدم ).
استمر أبو جعفر في دربه يشق الصخر بأظافره، فقد شحت الأسلحة خاصة في (المنطقة الوسطى) وغدا نطاق العمــــل محدوداً، ويستمر أبو جعفر رافعاً للواء في أرض جرداء، يلتجأ إلى هذا اللواء الشرفاء والأطهار فتتشكل فرق العمل العسكري وتغدو الصحراء جنة ناضجة الثمار. وإذا باللواء تلتف حوله القلوب والأفئدة، رافع اللواء الذي ما هان أو نكص على عقبيه، بل كان في سباق إلى الأمام.
ولمّا كان (أبو جعفر) مسئولاً عسكرياً عن المنطقة الوسطى، فقد حرص أن تبقى راية القسام مرفوعة الهامة في تلك المنطقة، رغم كل العقبات، وقد نفذ (رافع اللواء) أثناء المطاردة العديد من الأعمال العسكرية مع إخوانه المجاهدين والتي استهدفت بشكل خاص دوريات الاحتلال الراجلة والمحمولة، إضافة إلى استمراره في منهج من سبقوه بعقد محكمة القسام لكل الشاذين والساقطين في مستنقع العمالة والرذيلة. فأصدر أحكاماً عدة بالإعدام بحق أولئك الذين ثبتت بحقهم الخيانة وارتكاب أعمال مفجعة ضد الشعب الفلسطيني وصموده ووحدته.
كم كان رافع اللواء يعشق الرحيل ولولا هذا العشق ما كان عشقه للجهاد والمقاومة، وقد ألح عليه الكثيرون بالخروج من البلاد فكان يرد بلهجة الواثق، ولماذا سرت في هذا الطريق من البداية، إذن ؟؟، بل (سأعيش مطارداً وأموت شهيداً على ثرى فلسطين الحبيب) ويردد قولته المشهورة (بذل الروح أول الطريق). ويوجه نصيحــــة إلى إخوانه (على كل واحـــــد منكم أن يقدم على قدر ما يتحمل، وعلى كل واحد أن يدفع الضريبـــــة من دمه)، هذا الفــداء العظيـم والروح التواقة لم تغفل عن حال إخوانها إذا ألمــت بهم كربـــات الدنيا وقد كان أبو جعفر يرى دوماً أن تخفف الأخ من أعباء الدنيا أكبـــــر عون له على سلوك درب المجاهدين والشهداء، فكان دوماً في خدمة إخوانه.
علم يوماً أن أحد إخوانه في عسر مالي، تقدم من منزله وطرق الباب قاذفاً في يد أخيه (مائة دينار) راجياً من أخيه أن يقبلها ديناً يعينه في تجاوز عسره المالي، ورجاه أن يسدد المبلغ دون أن يرهق نفسه ولفترة زمنية طويلة. هذه المشاعر الأخوية النبيلة كانت تجد صداها في نفوس إخوانه الذين يرون في حامد شمعة تحترق تنير لهم الدرب ليصلوا إلى شمس الغد الساطعة، تبدد ظلامهم الحالك. وكان يرتقي أبو جعفر المستحيل ويعلم أن هناك نهاية واحدة لأولئك الأفذاذ الذين سطع ضياؤهم على الأرض الفلسطينية فأحال الحلم إلى حقيقة إنه الاستشهاد، وهذه أمنية (حامد) التي عاش لأجلها منذ أن رضع حليب طفولته في بيت الله تبارك وتعالى.
ولمّا أذن ملك السماء بأن ساعة الرحيل قد أزفت كان (حامد) قد تزين بأبهى حلة، قطرات من الدم الفياض غمرت المكان المعبق بريح المسك، والملائكة تقف أمام الله تبارك وتعالى تشفع للعملاق الذي انشطر نصفين في ذات الله تبارك وتعالى.
وحينما أذَّن البشير في سماء البريج الشامخ أن الفارس قد ترجل واستقر حيث أراد، تقاطرت الجموع من كل مكان لتدرك أسرار الصمود الأسطوري وما علموا أن (رافع اللواء) كان يخفي في صدره جبالاً من الصمود والتصدي.
يقفون جميعاً يؤدون التحية العسكرية لنجم البريج ويسجلون عبارات التهنئة وكلمات الوداع التي تثنى على البطل المسجى ثوب القبول عند الله تبارك وتعالى (وآل القريناوي) يرددون كلمات الصبر والحمد ويدعون الله (لأبي جعفر) بالقبول والرحمة.
وانتشرت في أزقة المخيم السواعد المجاهدة تخط على الجدران نعي قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام) في المعسكرات الوسطى (الشهيد حامد القريناوي)، هذه السواعد التي تتلمذت على يد أبو جعفر، ها هي تشب على الطوق وحركة حماس تنادي لحفل زفاف درة شهدائها، وتتقاطر الجموع من كل مكان تحتفي وتنعي الشهيد وتقسم يمين مواصلة الجهاد. فيما روح (أبو جعفر) تحلق إلى جوار عرش الرحمن، وجسده المسجى يسكن أرض مخيم البريج التي عشقها، فتح أبو جعفر عينيه وابتسم ابتسامة الرضا بعد أن أدى الأمانة وخاض غمار مدرسة الجهاد حتى نال الشهادة أمنيته ومطلبه، لقد تنامي الإيمان في نفس أبي جعفر فملك عليه كل شيء فما أحس بألم أو عذاب، كانت روحه فوق الدنيا هائمة محلقة فوق الآلام تبني جسراً للعودة ميمّنة شطر المسجد الأقصى، تعلن هذه الروح الخالدة أن الطريق إلى الأقصى له قبلة واحدة.