كان الفتى الأشعث الأغبر الذي يغذ السير باتجاه منزله في وسط مدينة غزة بعد أن ترجل من سيارة الباص الإسرائيلية العسكرية التي أقلته إلى حاجز (ناحل عوز) إثر قضاء محكوميته البالغــــــة عاماً كاملاً متنقــــلاً بين سجــــن (السرايا) فــــــي غــــزة وسجــــن مستشفـــى الرملة ومعتقل (النقب) الصحــــــراوي. كان يقذف (حسن) أقدامه حاثاً إياها السرعة في الوصول إلى شـــوارع غزة فقد اشتاق كثيراً إلى قباب مساجدها المجاهدة خاصة مسجدي (السيد هاشم والشيخ زكريا) التي قضى فيها (حسن) طفولته وشبابه الحافلة بالعطاء الصافي للإسلام رغم حداثة سنه، ولكن الاشتياق الأكبر (لأبي مصعب) كان لمواصلة المسيرة الجهادية المظفرة التي بدأها (أبو مصعب) مبكراً، فقد التحق بصفوف (جهاز الأحداث) التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في منطقته، ثم غدا مسئولاً لمجموعة من اللجان الشعبية الفاعلة ضمن جهاز الأحداث، وكم خط (أبو مصعب) بالطلاء الأخضر والأسود والأحمر على جدران وسط مدينة غزة بخطه الجميل شعارات الانتفاضة الماجدة...
وقد كانت الثقة الكاملة الممنوحة (لأبي مصعب) معلماً بارزاً وانعكاساً مباشراً لهذه الشخصية التي ملكت قلوب من عاشرتهم بالحــــب والإخلاص والتفانـــي، وكان أكثر ما يمنح الثقة (لأبي مصعب) الكتمان الشديد والسرية الفائقة التي يتمتع بها، فما كان يطلع على خلجات قلبه حتى أقرب المقربين إليه، مما منحه فرصة عاجلة للالتحاق بصفوف (كتائب القسام) وذلك بعد إصرار عجيب منه على الالتحاق بصفوف الجهاز العسكري، فقد جد في البحث عن كل إشارة أو دليل يوجهه للعمل في صفوف القسام، خاصة بعد مطاردة شقيقه (عماد) الذي سرعان ما استعان بشقيقه الأصغر ينقل ويرصد ويساعد، ثم التحق بمجموعة عمل قسامية يرأسها الشهيد (عماد نصار) في منطقة الزيتون، عمل فيه بكل ما أوتي من قوة، وقد شارك إخوانه (عوض سلمي ومنذر الدهشان وإبراهيم الزرد) في مجموعة من الأعمال الجهادية كان أبرزها عملية جهادية أصيب فيها (حسن) بخمس رصاصات في يده اليسرى وتمكن من الفرار إلا أنه سرعان ما اعتقل واقـتيد إلى سرايا غزة حيث مورست ضده في زنازين الصمود ومسلخ العذاب ألوان شتى من القهر لنزع اعتراف يضر بالمجاهدين، ولكن (أبا مصعب) رغم حداثة لم يُعط المحققين ما أرادوا، ولم يشفِ غليلهم، فزادوا ايداءه حتى نقلوه إلى مستشفى (سجن الرملة) للعلاج ثم يحكم عليه بالسجن لمدة اثنى عشر شهراً، وها هو اليوم يخرج وهو يحمل هم الجهاد والحرب ضد الذين أراقوا دم إخوانه وشعبه في الطرقات، ومن الذين قتلوا الشهيد (عماد عقل) الذي كان قريباً إلى قلب (حسن)، وكم تحرك حسن راجلاً أو بسبارته ليؤمن الطريق للبطل القسامي الصنديد، وما كان الإصرار الذي يحمله (أبو مصعب) في قلبه، وفي قسمات وجهه ليتراجع عن ألثأر لدم إخوانه الشهداء.
وقد كان كل ذلك جلياً في وصيته التي سطرها بدمه فور عودته إلى غزة العطاء، وقد استعد للرحيل الأخير ليحمل فيها كل هموم قلبه وخلجات فؤاده، فقال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون "
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم..... وبعـــد،،،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات ولم تحدثه نفسه بالجهاد، فلقد مات ميتةً جاهلية.
إخوانــــي أحبابي وأهلـــــي الأحبــاب...
السلام عليكم ورحمة اللــه وبركاتـه،،،
في البداية أقول لكم سامحوني عما فعلت مهما فعلت فسامحوني، فلقد تأخرت على الانتقام لإخواني الذين قتلوا دون أي ذنب، فلقد وعدت الله سبحانه وتعالى عند خروجي من السجن أن أنتقم لهم لكي أجعل (رابين) يتشرب الحسرة والندامة، فليلطم على خده وليشق ثوبه وليوضع في غرفة المجانين، لأنه يوماً ما سيندم على كل ما فعله بحق الشعب الفلسطيني المسلم لقول الله عز وجل في علاه اثباتاً على نصر المؤمنين " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله علــى نصرهم لقدير "... نعــــم إخوانــي إن الله على النصـر لقديـــر وما ذلك علـــى الله بعزيـــز.
الوصيــة
1- أوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى، والوحدة، وحدة الصف في وجه الأعداء والاتحاد.
2- ونريد أن نبلغ (رابين) وجنوده أننا نعرف أنفسنا جيداً ولا نريد أن يعرفنا أحد من نحن، فنحن (حملة القرآن الكريم).
إخواني : أصبحت الناس تدعي بأنها تخاف النار وتعمل لها وتدعي بأنها تحب الجنة وتبتعد عنها، إنه من يبعد عن كتاب الله سيخسر، صدقوني لا تنظروا لتلك الإغراءات البخيسة التي لا قيمة لها عند الله، فأنتم بين الفتن وحب الشهوات، وأنا شهوتي الجنة، فاخترتها وعقدت صفقة في تجارة رابحة وهي الجنة، أرجو منكم السماح لتأخري في الانتقام من الخونة، وأحذركم إخواني اياكم ثم إياكم البعد عن كتاب الله، فكم من أناس نسوا الله فأنساهم أنفسهم... ولا تحسبوا بأني عند نيلي الشهــــــادة بأنها راحت عني مسكيــــــن من يظن ذلك، فأنا عند ربـــي فــــي جناتــــه إن شـــــاء الله سأكــــون عند (عماد وطارق وياســــــر).
عليكم أن تتفهموا مع أنفسكم وراجعوا حساباتكم، فكم منكم ضل عن كتاب الله.
الشعب المسلم... الدنيا زائلة فما ربطكم في الدنيا من شهوة فإنها زائلة من أصحاب ونساء، فكله مفارقكم، الدنيا ملعونة إلا ذكر الله.
تلقى مسجد (السيد هاشم) ومسجد (الشيخ زكريا) فتاه الحدث بكل الحب والترحاب وفتحا ذراعيهما ليضما الجسد الصغير والقلب الكبير الذي نشأ بين أروقة المساجد، وكم شهدت له مواقع مسجد السيد هاشم وهو طفل صغير ساجد لله تبارك وتعالى، وكم عرفته مكتبة المسجد رائداً ومتعلماً ومنظماً لعملها ومشرفاً على استعارة الكتب وأشرطة الفيديو والكاسيت فيها. كانت هذه النشأة الصافية المعيـــــــن الرقراق لنبت العقيـــــدة السمحة في قلب الفتى الزائر دوماً لبيوت الله تبارك وتعالى.
وقد كانت تلك العقيدة المتوهجة الدافع الأكبر للتقدم نحو لقاء الله تبارك وتعالى بكل الحب والإخلاص والتفاني عدا الغيرة الجادة على الوطن السليب الذي ما رآه الفتى اليافع إلا عبر شاشة التلفاز وعبر التنقل بين السجون وعبر ذكريات الوالد الصبور عن رحلة الهجرة من (يافا) المدينة الفلسطينية الساحلية الساحرة نحو الجنوب، حيث استقر وسط مدينة غزة وقد أقر الله عينه برؤية أولاده يحملون الراية ويدافعون عن الوطن ويرقب (حسن) يتنقل بين المساجد يذكره يوم ولادته في الرابع عشر من شهر يوليو من العام 1975م، وكيف أن هذا الفتى الصغير قد حوى بوعيه المتواضع كل حدود الوطن الذي لم يعرفه من قبل، فكانت حدود وطنه هي حدود الإسلام العظيم وأرضه التي فتحها المسلمون عبر سلسلة من الأزمنة المتعاقبة والتي دفع فيها المسلمون دماً غالياً عزيزاً مهراً لهذه الأرض الطيبة.
وكان يذكر (الحاج محمود) ولده (حسن) حين صدمته سيارة وهو في الثالثة من عمره وقذفته أمتاراً عدة، وقدّر كل من رأى الطفل الصغير والصدمة التي تعرض لها الطفل أن لا حياة له بعد هذا الحادث، ولكن عناية الله رعت (حسن) لأن له موعداً مع أغاريد الرصاص ولأنه في بيت المقدس سيسطر بدمه ملحمة يُفتخر بها مر الأيام.
وبعد أن جلس (أبو مصعب) بين أحضان مسجده، التف حوله إخوانه الذين حملوا كل (الشوق) والحب، وتجاذبوا أطراف الحديث، وأخذ كل واحد يتذكر طرفة رواها (حسن) أو موقف ظريف، وقد كان (حسن) مميزاً في الطرافة، وتذكر الجميع بسعادة غامرة يوم أصروا على حسن دعوتهم للغذاء فأحضر لهم أطباق مغطاة بورق السولفان، فيبدأ الجميع بالإطراء عليه وعلى كرمه، ويفتحوا الأطباق فلا يجدوا إلا الطماطم والعدس، فيهاجموا (أبا مصعب) الذي يردد ضاحكاً " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ".
ويذكرون رحلاتهم إلى شاطــــىء بحر غـــزة، وقد كان (أبو مصعب) مميزاً بعشقه للسباحة.
وما كاد (أبو مصعب) يرتاح قليــــلاً من عناء رحلة صحراويـــــــة في القيد استمرت عاماً كاملاً حتى بدأ بحزم امتعتـــــه لرحلة جديدة ولكنه أرادها من لون جديد.
فلما عرض عليه أهله الزواج رفض بشدة ثم أثنى عزمهم أن أنبأهم أنه سيخطب هو لنفسه، وما كانوا يعلمون من هي الخطيبة التي يختارها (أبو مصعب) لنفسه، وبدأ يشد الخطا لخطيبته الجديدة وسعى حثيثاً إلى لقاء أيٍ من مسئولي (كتائب القسام) طالباً بإلحاح تنفيذ عملية عسكرية استشهادية، إلا أنه قوبل بالرفض القاطع نظراً لخروجه القريب من السجن ومطاردة أخيه (عماد)، إلا أن كل المحاولات لإثـنـاء (حسن) باءت بالفشل، وقد تبلورت بشكل قاطع ملامح المواجهة المقبلة يوم أن التقى حسن رفيق درب الشهادة عاشق القدس الشهيـــد (عصام الجوهري) وكانت ذكرى مجزرة الأقصى على الأبواب، ولا زالت في جعب (كتائب القسام) عمليات ثأر (لمجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل).
فأخرج (حسن) السلاح وبدأ يدرب (عصام) ويخططان سوياً لعملية الثأر الرابعة في ذكرى (مجزرة المسجد الأقصى)، وقبل أن يبزغ فجر التاسع من أكتوبر من العام 1994م كان الشهداء الأحياء (حسن وعصام) يتوجهان إلى القدس قلب فلسطين ودرة العالم الإسلامي، وكل شىء بدأ مختمراً في أذهان شابين عشقا الشهادة كما عشق عدوهم الحياة، وجهزا لذلك شريط فيديو وجها فيه النداء إلى كل المسلمين بعدم ترك الأقصى فريسة لأنياب الاحتلال.
وفي قلب القدس المسماة بالقدس الغربية حيث اكتظ عشرات اليهود في ميدان عام ينتظرون رصاص الجهاد القسامي وقنابل المواجهة والتحدي في مساء التاسع من أكتوبر يُسقط رصاص العز مجندة إسرائيلية فيما يصاب عشرات من اليهود بالرصاص، وقد استمرت زخات الرصاص الهادر مدة طويلة فيما أحالت قلب الكيان اليهودي إلى كتلة من الرعب حتى سقط (أبو مصعب) مدرجاً بدمائه وإلى جواره شقيقه (أبو دجانة)، ولمّا زرع (حسن) الذعر في قلوب اليهود أصروا على الاحتفاظ بجثمانه خوفاً من عودته حياً فيعيد زرع الرعب من جديد. وقد استمرت الجثة محتجزة حتى العام 1997م.
كانت أنفاس (حسن وعصام) تصعد إلى بارئها وتقذف عبيرها المعبق إلى غزة هاشم وقاهرة المعز حيث ارتحل الشهداء الأحياء ليربطوا سلسلة من الدم القاني بين القدس وغزة والقاهرة، ويؤكدوا بأرواحهم المزهقة في ساحة بيت المقدس حتمية التواصل وضرورة الربط بين ثرى الوطن الإسلامي الكبير في وحدة عطاء وتضحية عز نظيرها.
ويتطاير خبر استشهاد (أبي مصعب) إلى غزة لينصب سرادق ضخم للعزاء أمّه الآلاف من الشعب الفلسطيني ينعون الشهيدين. فيما رفع (الحاج محمود) كفيه إلى السماء طالباً الرحمة لولده شاكراً المولى عز وجل أن صدق ولده وأناله درجة الشهادة العالية التي طالما تمناها وعاش أحلاماً وردية سعيدة في ظلالها.
وتذكر الجميع (حسن) الفتى اليافع الذي يدور في الشوارع مع أذان الفجر يوقظ إخوانه للصلاة، وتذكره جيرانه حتى من مخالفيه في الفكر في وداده وسماحته وبسمته الرقيقة، وتذكروه يقطع مدن القطاع شرقاً وغرباً لنقل قطعة سلاح للمجاهدين أو لإيصال أحدهم إلى بر الأمان، وتذكروا يوم رحل عنهم إلى السجن، وها هو اليوم يرحل ملبياً النداء الأعظم ومؤدياً الرحيل الأخير بعز وفخار عظيمين...
فيما قطع ذكريات الجميع سرادق العزاء نداء الميكروفون بإعلان مسئولية (كتائب القسام) عن خطف الجندي (ناخشون فاكسمان) في قصة ملحمة بطولية جديدة، فما أعظم الشهداء الذين ما ماتوا وهبوا وطنهم الحياة...