قرار حماس في المشاركة في الانتخابات يعبر عن صدق وطني ونضج سياسي، وذلك راجع للحالة السياسية والمجتمعية المحتقنة، فضلاً عن كون اذلك قد يُفعل برنامج المصالحة والاستحقاق الانتخابي المترتب عليها، خاصة وأن قطار المصالحة تاه بين القاهرة والدوحة، وبين من لا يرغبون ومن لا يقدرون. على كل حال، فإن الانتخابات تخفف احتقان الإنقسام، وقد تؤسس لمرحلة جديدة من المصالحة أو تفاقم حالة التشظي والإنقسام - لا سمح الله -.
وتعقد حماس قرارها في إطار ترجيحي بيِّن يُغلب المصلحة الوطنية وتحقيق خطوة على طريق الالتئام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة في ظل استحالة تجزئة الموقف السياسي بالمشاركة في الضفة وعدمها في غزة. وبالتأكيد إن عين حماس ما زالت على الضفة الغربية، وتوفير بيئة الاستنهاض فيها سواء عبر برنامج شراكة انتخابي أو عبر انتفاضة القدس، بل قد تراهن حماس على إحياء روح الانتفاضة عبر بوابة الحضور الجماهيري الانتخابي.
مع قناعة ذاتية تؤكدها حماس في أكثر من موقف مفصلي بتقديم أولوية المجتمع وحقه في الانتخاب مع إيمان بتداول سلمي للسلطة وبحث حريص عن شركاء يسندون القدرة على العطاء، وهنا ربما يكون دافعاً لحرص حمساوي بدخول كافة الفصائل الفلسطينية معترك هذه الانتخابات، والدعوة إلى قائمة وطنية موحدة تجمع الكل الفلسطيني.
ومن زاوية أخرى إقليمياً تسعى حماس لتقديم نموذج متجدد، خاصة في ظل معاناة الإسلاميين في الإقليم من القمع والحرمان والمشاركة الانتخابية وخدمة مجتمعاتهم، ولعل حماس عبر هذه الانتخابات تعيد الاعتبار للإسلاميين في الشراكة وممارسة الدور في إقليم منقلب ومنفلت، خاصة وأن مقاطعة الانتخابات في أي قُطر لم يأت للإسلاميين بخير، وإنما مزيداً من الانكفاء والتقوقع وزيادة قدرة الخصوم على الاستهداف. وكلما تأخر الإسلاميون في خوض الغمار كلما تفاقمت الحالة الآسنة من التهميش والاستضعاف.
الرهان أكبر على خصوصية الحالة الحمساوية المتماسكة تنظيمياً مع سجل حافل في (10) سنوات في العمل العام رغم الحصار قدمت فيها حماس سجلاً متنوعاً يمكن أن تفخر به إذا أحسنت تعريفه وتسويقه ولم تسقط في فخ بعض نقاط الضعف والخلل المحدودة في ظل استهداف إعلامي مسيس، مع تضحية عالية في مواجهة الاحتلال وتسجيل محطات عز جليلة في غزة غيرت من معادلة الصراع وبعثرت معادلات الإقليم وساسته وأربكت الاحتلال وأذلت كبرياءه، ولعل قوافل من أجيال الشهداء خير شاهد وشهيد.
تحتاج حماس إلى توفير الضمانات لتشجعها على المشاركة، سواء من الاحتلال أو من السلطة بتوفير فرصة كاملة لحماس لخوض الانتخابات لمرشحيها وضمان نزاهة الانتخابات وإقرار نتائجها واعتمادها محلياً ودولياً. ولكن ذلك لم يمنع حماس من قبول التحدي وخوض الغمار، وهذا تطلب درجة من المخاطرة خاصة إذا لم يكن حساب السرايا كحساب القرايا، ولم تفز حماس بالانتخابات ولكن هنا يمكن النفاح عنه، مع ضمانات محكمة.
أي معركة انتخابية ستكون حامية الوطيس ستشكل فرصة ترميم وتجديد دماء وتفعيل الجسم الحمساوي الذي أصابه الكثير من الرتابة، وأحياناً اللامبالاة خاصة وأن المعركة في مواجهة خصم مركزي (فتح)، وإن بدا منقسماً على نفسه وأصابه تهتك فكري ونفسي وانقسام رأسي. ومع تواجد حماس في العمل الرسمي في غزة تحديداً ربما ستشكل الانتخابات فرصة رائعة للأداء عبر إشراك مكونات مجتمعية جديدة، وكذا إحداث حالة استنهاض في صفوف أبنائها بعد مدة زمنية طويلة من التكلس الانتخابي، علاوة على تجارب حماس الانتخابية سواء على الصعيد الطلابي والنقابي والمؤسسي، وكذا التشريعي والبلديات وما صاحب ذلك من قدرة عالية لدى حماس على التحشيد وضبط الإيقاع الانتخابي وفق رؤيتها.
وبالتأكيد تواجد حماس الرسمي في العمل العام قد يشكل رافعة لكنه قد يكلفها كذلك ثمن ومسئولية عبر تقييم الجمهور المتباين في مستوى قدرتها على تلبية احتياجاته وربما لن يعفيها من المسئولية عن حصار قاسي متواصل عبر أساليب متعددة على مدار (10) سنوات كاملة، وكذا يمكن الرهان أن مؤسسات جديدة منتخبة قد تشكل نافذة لمن يقطعون الطريق على حماس أن يتركوا الباب موارباً ويساعدوا غزة عبر نافذة مجالسه المنتخبة.
لعل ذهاب حماس للمشاركة القوية في الانتخابات الفلسطينية يأتي في سياق اتقاء إضرار عدم المشاركة والذي سيوفر ذريعة للسلطة والقوى الإقليمية والدولية المعادية عبر اتهامها برفض الانتخابات وتداول السلطة مما يعزز روايتهم في حصارها ومزيد ضغط عليها، فضلاً عن حرج حلفاء حماس والذين قدموا لها العون في محطات العسرة.
حماس تخوض الانتخابات بقلب وعقل مفتوح وتذهب باتجاه شراكة مجتمعية واسعة آمل أن تلقى استجابة من مكونات المجتمع الفلسطيني سواء في إطاره الفصائلي أو المؤسسي أو النقابي والعائلي والشخصيات المستقلة على أساس من أن خدمة الإنسان الفلسطيني غايتها والجودة شعارها.
ولكن رياح الانتخابات الفلسطينية للأسف تمضي على غير ما تشتهي سفن الشعب الفلسطيني التواق لبناء مؤسساته على أسس ديمقراطية محترمة.
والله الموفق،