مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2017-03-26
في ذكرى الرحيل.. الشهيد محمد مصطفى شهوان "شهيد الفرقان"
في ذكرى الرحيل.. الشهيد محمد مصطفى شهوان

كانت سيارة السوبارو الصفراء... ذات الأرقام الصفراء تنطلق بتاريخ 24/10/1993م، تقطع الطريق وتغـد السير مسرعةً باتجاه تجمع المستوطنات الصهيونية في غوش قطيف، فيما يغرق الفرسان القابعون داخلها بأحلام اليقظة في صيدهم المتوقع بعد هذه الرحلة الميمونة... كان فارسنا يومها أحد أولئك الفرسان الصناديد... والرجال المبادرين للعمل العسكري... كان أبو مصطفى حينها مطارداً لقوات الاحتلال الصهيوني ولم يمنعه ذلك على الإطلاق من ركوب الصعب وامتطاء صهوة الجهاد والاستشهاد والاستمرار بعزم وثبات في أداء رسالته الجهادية الخالدة...

انتبه الفرسان على اشارة (أبي مصطفى) إلى صيد ثمين يقع في طريقهم (جنديين اسرائيليين بكامل عتادهم العسكري)... تردد كبير أصاب المجاهدين في اقتناص الصيد الوفير رغم توفر الظروف الملائمة والاستعداد الكامل بالاحتياطات الأمنية المناسبة، ولكن خطف أكثر من جندي دفعة واحدة قد يشكل خطراً كبيراً على العملية ودرجة نجاحها ونسبة تحقيق الهدف منها، ولكن الصيد ثمين إلى درجة الإغراء الكامل بالتخلي عن الحذر والتخوفات وتوقفت السيارة رويداً أمام الجنديين ( ايهود روث وايلان ليفي) اللذين صعدا إلى قدرهما المرسوم دون تردد...

تنقلت السيارة القسامية بخفة ورشاقة بين منحنيات منطقة غوش قطيف (الخطرة أمنياً) حتى خرجت من هذا الموقع الحصين ومعها الصيد الثمين لتستقر على الطريق العام، فيما تحركت أسلحة المجاهدين الخفيفة لتستقر في جسدي الجنديين اللذين أدرس حقيقة أنهما رهينتين لدى (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، وبعد السيطرة السهلة والكاملة عليهما تم الاستيلاء على سلاحهما الشخصي وأوراقهما الثبوتية، ومن ثم اقتيادهما إلى منطقة خلوية وقتلهما وتركهما في سيارة السوبارو بعد تصويرهما...

لم تدرك قوات الاحتلال الصهيوني التي لا تظهر ما جرى لجنودها إلا عبر بيان كتائب الشهيد عز الدين القسام الذي أعلن المسئولية التامة عن خطف وقتل الجنديين مع إبراز بطاقتيهما الثبوتية، ونشطت قوات الاحتلال في البحث الجاد عن آثار الجنديين ويسقط في أيديهم حين لاحظوا حقيقة ما جرى للجنديين، فيما تعزز البحث عن المطارد القسامي محمد شهوان وإخوانه المجاهدين إثر هذه العملية النوعية الجريئة...

كان كل شىء يبدو هادئاً وديعاً في حياة الفتى محمد ابن خانيونس الفداء من الأب إلى الجد الأول... فقد عاش محمد حياته بعيداً عن سوءات الواقع المتردي سياسياً واقتصادياً لشعبنا المرابط، وكان يشعر برضى كامل تجاه نفسه وهو يجسد دوره الإسلامي في الحياة من خلال إلتزامه ببيت الله تعالى وحرصه على أداء دوره الدعوي كاملاً في مسجده الحبيب " فلسطين ".

ومنذ نعومة أظفاره تمرس الفتى بالخلق الحسن والانضباط الدائم والمشاركة الفعّالة في كافة الأنشطة الإسلامية على اختلاف أنواعها، وربما تميز (أبو مصطفى) بنشاطه الرياضي وحيويته ورشاقته، فكان يمثل في مسجد فلسطين درة الشباب الرياضي والطموح، وكان يمارس كرة القدم بشكل خاص.

هذا الهدوء تزامن مع استقرار الظروف الاجتماعية والاقتصادية في منزله رغم تزايد عدد أفراد أسرته... وربما هذا الاستقـــرار كان دافعاً أكيداً ليواصـــــل أبو مصطفى دراسته ليحصل على دبلوم العلــــــوم والرياضيات، وبعد أن أنهى دراسته انصــــرف للعمل المهني في مجالات البنـــــاء والدهان.

كان والدا محمد ينظران إليه بشوق وشغف لأنه مثال للإبن المطيع الخلوق، وكم حمدا الله في كل مرة يريانه فيها ويذكران نجاته في طفولته المبكرة وهو متجه إلى مدرسته الابتدائية حين صدمته سيارة بشكل عنيف أدت إلى قذفه عشرات الأمتار، وتناثرت كتبه المدرسية في كل مكان، ولكن الله كتب له عمراً جديداً كما كانت تردد والدته، وربما لم يدرك الوالدان في حينه أن الله قد أعده لمهمة جليلة عظيمة وشهادة غالية عزيزة تقر بها عيون والديه وأهله.

كان والداه دوماً يرويان له هذا الحادث ويقصّان عليه أخبار ولادته في العام 1969م وطفولته وكيف كان يلتصق دوماً بوالدته ليسمع منها القصص والروايات. وكم يكون مشدوهاً وهو يسمع قصص الأبطال الذين ضحوا من أجل دينهم ووطنهم عبر تاريخ الإسلام الطويل.

هذا الهدوء والاطمئنان الذي كان يحياه أبو مصطفى لم يكن يمزقه سوى شعوره بالكمد والحسرة وهو يلهو إلى جوار جدار المستوطنات اليهودية الملاصق لمدينة خانيونس، أو حين يدوي صوت محرك سياراتهم العسكرية وهي تعدو في شوارع المدينة، وكان يحلم بيوم يحترق فيه هدوءه الذاتي ويشترى بذلك هدوء وطنه وشعبه.

ويخترق هدوء (أبي مصطفى) صدى صوت الانتفاضة الفلسطينية المدوّي وأحاديث الجهاد والاستشهاد التي كان يسمعها ويقرأ عنها تتجسد أمام ناظريه مع اندلاع الشرارة الأولى للانتفاضة لتنطلق كل كوامن (أبي مصطفى) وتثور كل طاقاته ويغدو مع رعيل الملثمين الأوائل من خلال انتمائه إلى لجان حركة المقاومـــــة الإسلامية " حماس "، ويكتب أبو مصطفى على كل الجــــدران بخطه الجميل نداءات الجهاد والثبات ويقوم بتوزيع بيانات الانتفاضة الصادرة عن الحركة تباعاً.

الطموح المتزايد للشاب المقدام محمد لم يكن ليسمح له بالوقوف عند حد معين، فتطور فور تشكيل خلايا الصاعقة الإسلامية في منطقة خانيونس وتم اختيار فارسنا الصنديد مسئولاً ميدانياً عن الصاعقــــة الإسلامية. وربما كان للاندفــــــاع الجرىء نحو الجهاد والاستشهاد والعمل الجاد المتـــــزن من قبـــــل (أبي مصطفى) أثر بالغ في تميز وحيويــــة عمل الصاعقة الإسلامية وعملها في خانيونس خاصة.

وكان أمير الصاعقة متأثراً في عمله هذا إلى درجة كبيرة بإخوانه الذين سبقوه في طريق الجهاد والتضحية ومقتدياً بشكل أساسي بالبطل الأسير (يحيى السنوار)، وكان دائماً يرى القوة أقصر طريق لإحقاق الحق ونصرة الدين وإعادة الوطن، ويقول باستمرار " لا شىء يحل مشاكلنا بعد الاعتماد على الله تعالى إلا القوة "، وبعد ترسخ منهج العمل ضد عملاء الاحتلال من قبل الصاعقة الإسلامية في خانيونــــس وتحقيق نتائج فعّالة من ذلك بادرت سلطات الاحتلال إلى حملات اعتقال مسعورة ومتتالية لايقاف زحف الصاعقة الأمني على أسرار الاحتلال وعملائـــــه، وتم حينهــا الاعتراف على (أبي مصطفى) ومسئوليته عن عمل الصاعقة الإسلامية في خانيونس.

لم يتردد البطل المقدام كثيراً في اتخاذ قراره الأصعب بالمطاردة ورفض كل الضغوط والعروض بتسليم نفسه، وأصر على الالتحاق بكتائب الشهيد عز الدين القسام، ليستمر في العمل الجهادي حتى آخر رمق ضد أعداء دينه ووطنه وشعبه.

كان (أبو مصطفى) يدرك تبعات هذا القرار الخطير جيداً ويستعد لتحملها صبراً وثباتاً وصموداً... وقد كان لها حقاً بكل ما تحمل الكلمة مــن معنـــى، فقد امتشق سلاحــــه القسامي وتخفى عن العيون جيداً، وغدا يتنقل بشكل سري حذر من خندق إلى موقع، ومن منزل إلى زقاق في مختلف مواقع عمله الجهادي في خانيونس والمنطقة الشرقية ورفح وغزة، وكان للفارس المظفر صولات وجولات في رحلة المطاردة العنيفة، فقد تولى قيادة الوحدة السرية المختارة رقم (7) في كتائب القسام، كما تولى مسئولية المنطقة الجنوبية بعد استشهاد رفيق دربه الشهيد جميل وادي، وقد شارك في مختلف عمليات اطلاق النار على أبراج المراقبة الصهيونية المنتشرة على حدود مدينة ومخيــــــــــــــم خانيونــــــس.

وفي يــــوم 17/3/1993م انطلق أبو مصطفـــــى مع أخيه المجاهد (إبراهيم سلامه) وكمنا سوياً لجيب عسكـــــري تابع للإدارة المدنية فـــــي منطقــــة القرارة وصبّا عليه وابلاً غزيراً من النيران القسامية الهادرة.

كما انطلق بتاريخ 16/5/1993م مع إخوانه إلى منطقة بحر خانيونس حيث يتوفر صيد يتمثل في تجار خضروات صهيونية، حيث تم قتل الصهيونيين (نسيم بلس، أبشلوم كلبوم).

وفي تاريخ  27/6/1993م شارك أبو مصطفى في العملية العسكرية الجريئة التى استشهد على أثرها القائد جميل وادي، وقد قتل نتيجة هذه العملية جنديان اسرائيليان.

ولم يكن (أبو مصطفى) ليغفل عن دم إخوانه الشهداء، فشارك في تنفيذ عملية الانتقام لمقتل إخوانه إبراهيـــــم سلامـــــة، وإسلام أبو رميله، وعبد الرحمن حمدان، استهدفت العملية جنود حراسة مجموعـة مستوطنات غوش قطيف، إضافـــــة إلى عمليته الجريئة خطف الجندييــــن الصهيونييــــن...

كان (أبو مصطفى) في كل ذلك كأنما يمارس هواية محببة في زغردة الرصاص وقتل اليهود، ويؤدي هذا العمل الفدائي الفذ وبصره يرنو صوب الشهادة، ينتظرها لحظة لحظة، ويوماً بيوم، يتنسم عبيرها... ويتنشق ريح الجنة عبرها، وكم اشتاق في سره وعلنه اللحاق بركب إخوانه الشهداء، وكم تمتع وهو يستمع قصص من سبقوه في درب النصر أو الشهادة العطر (طارق دخان، ياسر النمروطي)، وقصة استشهاد (قنديل وحسنات والزايغ)، وكان يتفق دوماً مع إخوانه المطاردين على ضرورة الشفاعة لبعضهم يوم العرض الأكبر في حال استشهاد أحدهم دون الآخر، ولم تكن مرحلة المطاردة ومشاقها هي التي تفرض على (أبي مصطفى) التفكير بالشهادة، بل كانت حلم حياته الذي لا يتوقف وخفقات قلبه التي لا تصمت وهمهمات صلاته التي لا تكف حتى في أشد لحظات اقبال الدنيا عليه... فقد عزم الزواج يوماً وجهز كل إمكانياته لذلك ولكن حلمه الدافىء أوقف مشروعه في الزواج حتى أن شقيقه الأكبر في مرحلة البحث عن عروس (لمحمد) شاهد في منامه فتاة تقول (محمد شهيد) وذلك قبل مطاردته وكأنها إحدى حواري الجنة لا تود أن يظفر بالشهيد الغالي أحد غيرها.

هذه الرغبة الجامحة في الشهادة دفعت (أبا مصطفى) إلى الرفض العنيد والدائم لمغادرة الوطن، وقد ألح عليه الكثيرون بالخروج وصمم على ذلك يوماً والده فأجابه الأبن الواثق بقدر الله تعالى: (أريد يا أبي أن استشهد وأنت المفروض تقول لي استشهد)، كان شعوره المستقر بالشهادة وتحققها لا يتوقف، لذلك تراه دوماً يحدث أهله وأمه قائلاً : (لا تحزنوا إذا ابتعدت عنكم، ولكن أقول لكم أن فلسطين غالية ومهرها الدم، والجنة سلعة غالية تحتاج إلى المزيد من العطاء، وإن كان هذا المهر هو فراقكم ليس ليوم أو أسبوع، وربما نفترق في كل لحظة إلى اللقاء الخالد بإذن الله تعالى في الجنة، وأريدكما يا والدي أن تتذكروا دائماً موقف الخنساء رضي الله عنها التي أرسلت أولادها الأربعة إلى ساحة المعركة للدفاع عن الإسلام الذي هو أمانة في أعناقنا جميعاً، وأرجو أن تفخروا أن لكم ابناً في القسام ).

هذا الشعور الحي اليقظ بالشهادة والموت في سبيل الله تعالى كان يراود (أبا مصطفى) في كل لحظة، لذا فقد استعد للرحيل، هيأ أهله لذلك وتخفف من الدنيا وحمل على كاهله عبء الجهاد والعمل لدين الله تعالى. وربما كان هذا الدافع الأكبر لأن تخط يمينه وصيته الأخيرة قبل استشهاده بما يقارب أربعة عشر شهراً... وقد كتب في وصيته يقول :

الحمـــــد للــــه والصـــــلاة والســــلام علــــى قائـــــد المجاهديـــن وإمام الغر المياميـــن...

أيها الإخوة الكرام...

أيها الثابتـــون على طريق الحـــــق التليد، أيها المضحـــــون بدمائكم فــــــداء لفسطين والأقصى الحزين... أيها الرجال الرجال... وصية إليكم جميعاً كل في موقعه وكل في مجال عمله، أوصيكم بالعمل الدؤوب في حقل الإسلام العظيم، أوصيكــــــم بأن لا تبخلوا على الدعوة والدين بأي عمل وجهد صغيــــــراً كان أم كبيراً، فأنتم الشعلة التي تضىء للأمة الطريق، ومن خــــلال عملكم وجهدكم وبذلكم وعطائكم وسهركم على راحة أبناء شعبنا تسير المركب حتى تصل إلى بر السلامة والأمان، وأقول لكل الإخوة المتحمسيــــن كثيراً، بأن لا تستعجلوا قطف الثمرة قبل نضوجها، وأبشركم بأن خط الإخوان المتمثل في النفس الطويل هو أسلم الخطوط، وأعتقد بأنكــــم ترون ثمرة هذا الخط من خلال لمسكــــــم لعمليات إخوانكم المجاهدين في الضفة والقطاع.

وأقول للإخوة الذين هم بعيدون جداً عن الحماسة بأنه يجب أن يكون المسلم دائماً يقظاً وشجاعاً، وأن لا ينتظر أن يكلفه أحد بأن يعمل، ولكن ليسعى كل منا للعمل وليطلب من دعوته وحركته العمل وأن لا يتردد في ذلك وأن لا يكتفي بالتكليف.

وأقول لجميع الإخوة إبتداءً من الشبل الصغير وانتهاءً بالشيخ الكبير أوصيكم باستغلال كل موقف، وكل وقت للدعوة إلى الله وأن يكون عنوان الدعوة ووسيلتها الحب في الله، وأن يشعر الناس بمحبتكم لهم وحرصكم عليهم وأن تؤثروا مصلحتهم على مصلحتكم، فإن الرسول القائد صلى الله عليه وسلم كان دائماً بشوش الوجه، وبشاشة الوجه يا إخوة تصنع المعجزات وتفتح القلوب المغلقة، فلتكن بشاشة الوجه إحدى وسائل الدعوة إلى الله.

أيهــــا الداعون إلى الله... يا جيــــــل الغد المشرق الوضاء... يا رافعي اللواء والراية المحمدية، أوصيكـــــم بالاختلاط والاندمــــاج في الجماهير والتعرف على مشاكلهم والعمل على حلها، وأيضـــــاً التعرّف على مآسيهـــــم وأن تكونوا دائمـــــاً الأمل والنور والضياء الذي يزيل بؤسهم ويفرج همهم.

أيها الرجال الساهرون على راحة أبناء شعبهم... التودد والتقرب إلى الناس يجعلهم ينخرطون فيكم ويؤيدونكم ويقتنعون بدينكم، فليكن شعار المسلم العمل العمل، والدعوة في كل مجال ووقت، وعدم البخل على الدعوة بأي شىء... وبارك الله فيكم... ولا أقول لكم وداعاً ولكن أقول لكل الإخوة الأحباب الذين أشتاق إليهم دائماً إلى لقاء، وإن شاء الله يكون اللقاء في الجنة.

أخوكـــم أبـو مصطفى

                                                                                                                                                          19/1/1993م

وفي فجر الخامس من شوال من العام 1414هـ الموافق السابع عشر من مارس من العام 1994م كانت الحور العيــــن تتزين وملائكـــــة السماء تتأهب فـــــي حلل قشيبة وعرس طهور لاستقبال أرواح طاهرة وضيئة خرجت مجاهدة في سبيله، وصدقت الله ما عاهدت عليه فقضت نحبها، تذود عن حمى الأقصى وأكنافه وتردد دوماً " الموت في سبيل الله أسمى أمانينا "، فقد استقل (أبو مصطفى) في فجر هذا اليوم الأغر سيارة الفيات بعد أن أدى صلاة الفجر، وإلى جواره أخوه المجاهد القسامي السري الأستاذ (طه أبو مسامح) حين صادفهما حاجز جيش اسرائيلي مفاجىء بالقرب من (مسجد الشهداء) بخانيونس، أطل ضابط الدورية في السيارة حين عاجلته رصاصة من مسدس (أبي مصطفى) وانهالت أثرها عشرات الرصاصات من الأسلحـــــة الأتوماتيكية إلى أجساد المجاهدين، وسقط الباران مدرجين بدمائهما العزيــــــزة الغالية ثمـــــن الجنة، ثمن الحور العين، ومهر فلسطين، لتصعد أرواحهمــــا الطاهرة إلى بارئها تحملها ملائكة الرحمة بعد أن أدت رسالتها الخالدة في حفظ الدين والوطن كاملـــــة غير منقوصة.

ويلحق (أبو مصطفى) ركب إخوانه الشهداء الأطهار من أبناء القسام الذين ودعهم على التوالي، وكم اشتاق إلى رؤياهم واللقاء بهم، وكم تمنى تلك اللحظة التي يلقى بها وجه الله تعالى وهو عنه راض... وتناقلت الأنباء الصهيونية خبر استشهاد (أبي مصطفى) بفرحة غامرة، كيف لا وهو علم بارز في مقارعتهم...

وقـــــــد نشــــــرت جريـــــدة يدعوت أحرونــــوت الصهيونيــــــة نبـــأ استشهاد الأخوين (محمد شهوان وطهأبو مسامـــــح)، وهـــــــذه ترجمـــــــة حرفيـــــة لما كتبتــــه الصحيفــــة :

مطلوب من حماس متهم بقتل أربعة اسرائيليين في الأسبوع الأخير أغتيل، ( الجيش وقوات الأمن الصهيوني استطاعت ضرب نواة حماس في قطاع غزة، أسبوع واحد فقط بعد مقتل الفدائي " إبراهيم سلامة " قُتل شريكه في عمليات القتل (محمد مصطفى شهوان) عضو خلية عز الدين القسام، الاثنان كانا مشتركين بقتل جنديين من الجيش (أيهود روت، إيلان ليفي)، وأربعة من تجار الخضروات منهم (نسيم بلس، أبشلـوم كلبون).

مع شهوان قتل مدرس للرياضيات من سكان خانيونس كان يساعده أثناء العملية أصيب ضابط من جيش الدفاع إصابة خفيفة من نار أطلقت عليه مـــن أحــــد الفدائييـــــن.

*  الجنود منعوا عملية مسلحة :

أمس حوالي الساعة الخامسة صباحاً قامت قوة مشتركة من المستعربين وحدة (شمشون) وجنود لواء (قفعاتي) بالتوجه للضواحي الشرقية من خانيونس، وفي نهاية المهمة المخططة فجأة لاحظت القوة سيارة مشبوهة من نوع " FIAT " وبها اثنين مشبوهين، ضابط من المستعربين تقدم إلى السيارة وطلب الهويات، وكان الرد أن أستل أحد راكبي السيارة مسدساً وأطلق باتجاهه الرصاص من مسافة قصيرة. الضابط خدش برقبته والقوة ردت باطلاق النار بسرعة، وقتلت الفدائيين، شخص الاثنان المطلوبان (محمد مصطفى شهوان - 25 عاماً )، ومساعده (طه محمد أبو مسامح - 36 عاماً ) وجد على جثتيها قنبلتين ومسدسين.

ضباط على مستوى عالٍ أجروا التحقيق في المكان أثنوا على عمل الجنود الذين عملوا على منع عملية مسلحة يشتبه بأن الإثنين كانا ينويان إلقــــاء قنابل يدوية على دورية للجيش، وبعد ذلك مهاجمة الجنــــــود المصابيـــــن لقتلهم من مسافة قصيرة وهذه الطريقة يمتاز بها أبناء عز الدين القســــــــام.

* ضربة قاسية لحماس :

مقتل شهوان يعتبر ضربة قاسية لحماس، إضافة لخلايا القتل التابعة لحماس في الأسبوع الأخير فقط ألقي القبض على أكثر من ثلاثين مطلوباً وخمسة قتلوا، إثنان من الكبار بحماس.)

وصل الخبر إلى آل الشهيد على الفور الذين حمدوا الله وأثنوا عليه بما هو أهله، وشكروه عز وجل أن نجاه تعالى من يد الأعداء فجوار ربه خير وأكرم.

وقد أقيم عزاء ضخم للشهيد المقدام في يوم عرسه المنتظر، وزفافه للحور العين، وتناقل أهل خانيونس الفداء خبر استشهاد (أبي مصطفى) الذي ما عرفوه إلت كريماً مقداماً، وفارساً من فرسان الإسلام، فقد كان رحمه الله رجلاً حازماً غيوراً على إسلامه ووطنه وأهله، وكان يسعى ويوصي دائماً بتربية الأشبال في المساجد على كتاب الله تعالى حتى يمثلوا خير خلف لخير سلف، ويعيدوا مجد الإسلام التليد.

وما كان يطفىء نار القلوب إلا أن الشهادة أمنية (أبي مصطفى)، وأنه رحمه الله قد نال من أعداء الله تعالى وأصابهم ما يكرهون، ولولا صدقه مع الله تعالى لما صدقه الله في نيل الشهادة (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا  الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً).

وقد نال الشهيد الغالي بهذا الخلق الكريم والعطاء المتجدد ثقة كل من عرفوه من أهل وأقارب وإخوان وجيران... وهكذا تطوى باستشهاد الفارس المقدام صفحة من صفحات المجد التليد في مقارعة اليهود، وقد غسل الشهيد أبو مصطفى ذنوبه بدمائه، مضى إلى الله تعالى يسيراً مسربلاً بدمائه ليمنحه الله من عظيم الأجر والجزاء...

ولتنبت في أرض خانيونس زهرة جديدة ليس ككل الزهرات، فهذه زهرة من نوع خاص، إنها زهرة نبتت بدماء شهيد الفرقان كُتب عليها :

" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، إن الله لمع المحسنين "

صدق الله العظيم