مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2017-04-02
في ذكرى الرحيل.. الشهيد كمال إسماعيل كحيل (الجنرال)
في ذكرى الرحيل.. الشهيد كمال إسماعيل كحيل (الجنرال)

عندما يتمنطق الرجل بالشهادة عنواناً.. ويحاصر الموت.. يبصق في وجه السجان.. يتجاوز حدود المكان.. تعلم أن لوناً نادراً من أولئـــــك الأفذاذ الذين صرخوا في وجه فرطقـــــات التقوقع والهزيمـــــــة يشمـــــــــخ أمامـــك.

كــــان ذلك كمــــــــال كحيــــــــل..

أعلــن استشهـاده قبـــل أن يستشهـد،

وأغلق أمام نفسه كـل الخيـــــــارات،

ولم يبق إلا خيار الاستشهـاد معلـــــم

تلــك الشخصيـــــــة التـــــي حــــــــار في فهمها الكثيــرون، فكان يـــــــــردد أمام الجميع : (كل منــــاي أن أستشهــــد على أرض فلسطين).

لم يكن يعرف الخوف طريقاً إلى قلبه تبدلت الأيام والأشخاص.. تغير الزمان وتقلبت قلوب... وبقى (أبو محمد) يدافع عن خياره الأوحد... ويحاصر التراجع.. يبقيه في زاوية الوهن... ويصفق الباب مقفلاً خلفه همهمات العبث وترانيم التراجع...

في العــــام ألف وتسعمائـــــة وواحد وستين كانـــــت غزة هاشم في انتظار مولود من لون جديد.. لم يكن يدرك (آل كحيل) أن مولودهـــــــم الجديد (كمال) سيكون له هذا الموقع المتميز والاسم المدوي والصيــــت اللامع.

وفي (مسجد العباس) في (حي الرمال) بدأت خطوات (كمال) الأولى مع بيت الله... وسارت حياته الأولى بشكل طبيعي، أنهى دراسته الإعدادية، ثم عمل في مهنة سمكرة السيارات، ثم تزوج وقد رزقه الله ثمانية أبناء.. ولكن كل شيء تغير يوم انطلقت الانتفاضة المباركة، والتحق (كمال) فوراً بمجموعات حماس الشبابية المنتشرة في كل مكان، تسطر خطوطها على الجدران وتشعل الإطارات وتنفذ فعاليات الحركة على أرض الواقع.

أما في المواجهات اليومية مع قوات الاحتلال فكان (كمال) العلم الأوحد يقارع اليهود في كل مكان، لا يهدأ له بال أو يقر له قرار.. تراه والرصاص يلاحقه في كل مكان تعتقد أنه استشهد أو أصيب، وبعد ذلك تجد أن المعطف الذي يرتديه مثـقـوب، غير أن كمال بخير ويد القدر تعد (كمال) لمهمة مقدسة يستحق الرجال مثله أن يؤديها..

ترى كمال دائم الجاهزية، مستعداً للانطــــلاق في كل لحظة.. وكان يختار دوماً أخطر المناطــــق كي ينفذ فعالياتــــه هناك...

ومع انطلاق (كتائب الشهيد عز الدين القسام) كان (كمال) على اتصال دائم بمجموعة النصيرات وتحديداً مع (طارق دخان وياسر الحسنات)، وبدأ يتحرك مع الشهيدين ويشارك معهما في بعض العمليات العسكرية ضد الجيش والمستوطنين، وبعد استشهاد (طارق) ازداد (كمال) التصاقاً بالعمل القسامي وارتبط بشكل كامل مع (ياسر الحسنات).

كان أكثر ما يكره (كمال) العملاء، وكم حاول استفزازهم والتحرش بهم.. وفي إحدى التحقيقات اعترف عميل لكمال قائلاً ربنا بحبك كثير، فكلما حددت المخابرات موعداً لاعتقالك كنت تعمل مشكلة مع عميل فيتم تأجيل أمر الاعتقال حتى لا تعتقد أن العميـــل سبب الاعتقال.

وذات يوم طاردته (الوحدات الخاصة) أمسكت به وأوسعته ضرباً وسبّب ذلك له فتقاً في المعدة وكدمات، وفي أثناء مكوثه في المستشفى نفذت حملة اعتقالات تبين بعدها أن كمال مسئول أحداث المنطقة، وحضرت إلى منزله قوات كبيرة من جيش الاحتلال وتركوا له أمراً بتسليم نفسه، حيث أنه كان في المستشفى، واستطاع أثناء ذلك الحصول على تقرير بحالته الصحية حاول من خلال ذلك تفادي الاعتقال، وبعد ذلك بدأ يتصرف (كمال) كمطارد، واستمر على هذه الحالة عاماً ونصف العام.

في تلك الأثناء عانى (أبو محمد) من انقطاع كبير في الاتصال مع (كتائب القسام)، ورغم ذلك لم يتراجع بل ازداد نضالاً وعطاءً، واستطاع تشكيل مجموعة خاصة، ووفر لها بعض الأسلحة البيضاء ومسدساً، اشتراه بعد أن باع مصاغ زوجته، لم يكن ينظر (أبو محمد) إلى الجهاد كخيار يمكن أن يتوقف أو يعطل، مهما كانت الأسباب، لذلك ما أعجزه الانفراد وعدم الاتصال بسبب الاعتقالات وما أحجمته قلة الإمكانات، بل انطلق بهمة عالية ونفس كريمة معطاءة يبيع مصاغ أهله ويشتري معدات العمل العسكري.

في تلك الأثناء كان (كمال) قد بدأ يتخصص بإعداد العبوات الناسفة، فأعد عبوة ناسفة استقلها الشهيد أيمن عطا الله، وبينما كان الاستشهادي ضياء الشرفا يستقل سيارته المفخخة بيد كمال، ولم يحدث الانفجار واعتقل ضياء، وقاد التحقيق إلى كمال الذي بدأت من اللحظة مطاردته العلنية.

وافتتح (كمال) صفحة جديدة في حياته لم تكن غريبة عنه... بل كان ينتظرها وهو يرى (ياسر وطارق) وكافة المجاهدين يتنقلون في الطرقات ويبثون الرعب في قلوب أعداء اللـــه.. كم كان يرغب في بث الرعـــــــــب..

وفي أثناء رحلة المطاردة شارك (كمال) في أكثر من خمس عمليات من بينها إطلاق نار على جيب للشرطة الصهيونية في غزة.. وبعد كل عملية يزداد ضغط الجيش الصهيوني على (آل كحيل) لاعتقال (كمال)، وفي كل مـــرة يحطمــــون أثاث المنزل ويعبثون فيه فساداً، وقد وصفته الصحف الصهيونية أكثر من مرة بأنه المطلوب رقم (واحد) في قطاع غزة ، وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت أن (كمال كحيل) شارك في عملية قتل المقدم الصهيوني (مئير مينز) قائد وحدات المستعربين في غزة ".

كما نسبت له الصحف هجوماً قتل فيه (مرون سوفل) في أغسطس 1994م في منطقة كيسوفيم في قطاع غزة، والمشاركة في هجوم على الجيش الصهيوني عند مفترق نتساريم في نوفمبر 1994م، وقتل فيه الجندي (نيل ادوين)، كما نسبت له المخابرات الصهيونية أنه شارك في قتل ما لا يقل عن (20 متهماً) بالتعامل مع السلطات الصهيونية، كما وصفته الصحافة أنه مطلوب خطير للغاية اعتاد على التنقل وهو يلف حزاماً ناسفاً حول خاصرته.كانت الخيارات جميعها مفتوحة بالنسبة (لكمال) الذي رفض كل خيار عدا الشهادة، رفض الخروج وكان رده الوحيد دوماً : (الجهاد في فلسطين هدفي من المطاردة، ولن أخرج أبداً حتى النصر أو الشهادة.. وإنني مستعد لإعداد عبوة ناسفة أفجر بها نفسي في جمع من اليهود ولا أفكر في مغادرة غزة التي أعشقها).

بقي كمال يعيش حياة المطاردة حتى قدمت السلطة الفلسطينية، وتغيرت الحياة وتبدلت، وبقيت حياة (كمال كحيل) كمـــا هي مطاردة، ومطاردة.. وكم قدم العملاء الشكاوى الكيدية ضده خاصة بعد الاتفـــــاق على عدم ملاحقة العملاء.

كان (أبو محمد) يعيش حياة المطـــــاردة بكل حذر وقـــــوة.. وتسري روحه الوثابة بين إخوانه بكــــل عزم ومضاء، فنشأت مجموعـــــة مقاتلـــــة خاصــــة تابعــــة (لكتائب الشهيـــد عز الدين القسام) كانت تـــــرى في (كمال) النموذج الأروع للتضحيـــــة والفداء.. فالتفتت حوله تتعلم من خبراته وتتعاون معه...

وفي هذا الوقت لم تتوقف محاولات المخابرات الصهيونية من القضاء على (كمال كحيل) خاصة في ظل تواتر المعلومات من أكثر من شخص وقعوا في قبضة الاحتلال حول وقوف (كمال كحيل) ومسئوليته عن عدد من العمليات العسكرية. كان (أبو محمد) في ذلك الوقت قد استقر به المقام في (حي الشيخ رضوان)، وفي منزل (الشهيد سعيد الدعس) تحديداً.

كان يوم الأحد الثاني من نيسان من عام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين يمضي بتثاقل غير معهود.. حيث كمال وحاتم وعلي وسعيد ونضال يعدون العدة لعمل جهادي جديد خاصة بعد اعتقال سائق شاحنة مليئة بالمتفجرات كانت تنطلق لتنفيذ عمل عسكري نوعي.... كان كل شيء يمضي هادئاً حين هز أركان الشيخ رضوان انفجار هائل استهدف بشكل مباشر اغتيال كمال كحيل ومجموعة من إخوانه المجاهدين، وتناثرت الأشلاء إلى مسافة تزيد عن ثلاثمائة متر، وانتشرت الدماء في كل مكان..

وارتقى (أبو محمد) صهوة المجد ودلف من بوابة الشهادة والاصطفاء الذي يقدره الله لأوليائه الصالحين.. ارتقى (أبو محمد) بعد أن غدا علماً من أعلام الجهاد والمقاومة وشجرة وارفة الظلال يلتجأ إليها المجاهدون، فيجدون في ظلها سلوى الغربة، وحرارة الثأر... فلم يكن (أبو محمد) يقنع بأقل من الرد المباشر.. وها هو (أبو محمد) يتصاعد، ويحلق في سماء الوطن المسجى في اغتراب وألم، وها هي غزة التي عشقها أبو محمد تحترق وحيدة بين الحزن والأسلاك الشائكة تحاول بصبر عبور اليأس...

غزة اليوم ترتدي السواد... وتتمتم بصوت خافت من لأولئك القاطنين يدافع عنهم ويثأر لدمائهم... بكثير من الرجاء.. تصرخ غزة.. هل من وريث (لأبي محمد) يمسح الدمعة، ويوقظ الهمة.. تحفر غزة أغلالها... علّ الضجيج يوقظ النائمين على صدرها.. تئن غزة دماً تـنـفـث بمرارة وحسرة.. ككل المدائن المفجوعة بدم أعز أبنائها تحلم غزة بالسكينة.. فإذا سكيناً  يغرس في صدرها... الموت لدى أبناء غزة أحجية سهلة يفهمها الصغار (رغم مرارتها) عبر دروس (كمال)...

رغم ذلك فإنها تلملم جراحها وتلعق دمها الساخن الذي يصنع جداول في طرقات الثورة المفتوحة.. تضــــــم غزة (كمال) إلى صدرها.. دم فوق دم.. أشلاء فـــوق أشلاء.. حجر فــــــوق حجر... قبور الشهداء قواعد البيــــــت الذي يضم شتات الحلم ويخلق غـــزة.. الوهج الذي لا ينطفـــــــــــىء..

وفور سريان الخبر تناثرت الجموع تودع (الجنرال) الذي دوخ قوات الاحتلال ورسم معادلات جديدة للمقاومة والتحدي... وأعلنت كتائب القسام نعي رجلها المقدام، وحمّلت أجهزة الأمن الصهيونية مسئولية الانفجار...

وقدمت قوات الأمن الفلسطينية ولملمت قطع اللحم المتناثرة، وتم نقل الجرحى إلى المستشفى.. وبعد إجراء التحقيقات تم دفن أشلاء الجثث، وبتاريخ 3/4/1995م أفادت صحيفة يديعوت أحرنوت الصهيونية أن وحدات الشين بيت نجحت في تصفية المطلوب الأول في قطاع غزة، وقالت صحيفة دافار الصادرة بتاريخ 4/4/1995م أن اغتيال كمال كحيل كان عملاً مدبراً وكمينــــــاً معداً بشكــــــل مسبق، وأضافـــــــت أن اغتيال (كحيل) يعد إنجازاً أولياً كبيراً لرئيس الشيـــــــن بيـــــــت الجديــــــــد.

فاغتيال الشهيد (كمال كحيل) واحدة من أجزاء الحرب الدائرة والمتصاعدة بين (كتائب القسام) وأجهزة الاستخبارات الصهيونية ووحداتها الخاصة المستعربة...

وفي تظاهرة احتجاجية حاشدة ضمت عشرات الآلاف من أبناء قطاع غزة وداعاً للشهداء (كمال وحاتم وبلال الدعس) في جنازة رمزية حملت خلالها الحشود نعوش فارغة، واستمر موكب الوداع المهيب من وسط غزة حتى مقبرة الشهداء الشرقية وهناك تقدم التحية للأشلاء الممزقة التي واراها التراب..تلك الأشلاء التي قدمت كل ما تملك فداءً لفلسطين والأقصى...

وعصر يوم الأربعاء 5/4/1995م احتشد عشرات الآلاف، وأمام منزل الشهيد كمال في حفل تأبيني للشهيد وإخوانه.. وانطلقت زخات من الرصاص من أبناء كتائب القسام تحية للشهيد.

هكذا جرى الوداع المهيب (للجنرال) الفذ (كمال كحيل) وإخوانه، ولكن هل يمضي (كمال) دون أن يتم الثأر لدمائه العزيزة.. فكم قدم (كمال) قرابين الثأر لإخوانه الشهداء الذين سبقوه على طريق ذات الشوكة..

ظهر يوم الأحد 9/4/1995م، وبعد أسبوع فقط من الانفجار والأشلاء والدماء تمت عملية استشهادية بنفذها (الشهيد خالد الخطيب) من مخيـــــم النصيرات وهو أحد أبنـــاء (حركة الجهاد الإسلامي)، بالقرب من مستوطنة (كفار داروم) قرب دير البلح، انفجرت سيارة (خالد) إلى جانب رتل عسكري أسفرت عن مقتل سبعة وإصابة حوالي أربعين، وقد أصدرت القوى الإسلامية المجاهدة بياناً أعلنت مسئوليتها عن العمل الاستشهادي، وأهدته إلى روح (شهداء مجزرة الشيخ رضوان شهداء كتائب القسام كمال كحيل ورفاقه).. وبعد ساعة فقط كان (عماد أبو أمونة) عضو كتائب الشهيد عز الدين القسام من مخيم الشاطئ وفي (مفترق نتساريم) ينفجر في قافلة دوريات عسكرية وأسفرت عن مقتل جندي وإصابة عشرة آخرين، وقد أعلنت (كتائب القسام) مسئوليتها عـــــن العملية رداً على استشهـــــاد (كمال كحيل وإخوانه)، ورداً على تدخل المخابرات الصهيونيـــــة في شئون القطاع الداخلية كانت أهازيج الثأر لكمال وإخوانـــــه تتردد بقـــــوة.

وهذه قصيـــدة شعرية مهــداة إلى روح الشهيد كمال تحت عنــوان " قسماً لروحك "

دمعُ الجليــــل ودمـــعُ غـــزة يقطرُ                 والنــــارُ فـــي أفــقِ المكبّـــر تظهرُ

والقدسُ جرحك في صميم جراحها          وحديث ثأرك يا كمـــالُ يُزمجـــــرُ

قسماً بمن جعــــل الجهـــــاد مقدساً           إنّا لروحــــــك يا كمــــــال ســنثأرُ

قسماً لروحك ليـــس يُطفــىء ثأرنا             إلا الدماء علـــــــى السفـــوح تُفجر

سنحطـــم الكــــفّ التي عاثـوا بهــا                 ونزلـزل القــــــــدم التــــي تتبختــرُ

الموت يا رابين نشــــــرب كأســــه    بإرادة لكنّنـــــــا لا نقهـــــــــــــــــرُ

سيلُ الدماء بلـــــــغ الزُّبى يا معشرُ              سيفيض نصــــراً حاسماً فاستبشروا

سيكـــــونُ طوفاناً مــــــــن الأرواح                   تصعــــــد للسمــــاء بلهفةٍ وتكــــرم

إن أمعــــــن الجبنـــاءُ في إجرامهــم                 فاللــه مــــن كــل الجرائـــــم أكبـــرُ

طُوبــــى لأيـــد بالدمــــاء خضابهـــا    والويــــل للأيــــدي التـــــي تتآمـــر

لك وحدك يركع المجد أيها السيد العظيم.. لك (أبا محمد) طأطأ الجمع رأسه خجلاً وحياءً.. منذ اليوم الأول والميلاد الأعظم للكتائب القسامية، أقسمت العهد والبيعة على المضي في طريق ذات الشوكة.. وحملت اللواء.. ورفعت الراية الخضراء.. قاتلت بالحجر والخنجر والسكين والمولوتوف والمسدس والرشاش والتفجير.. لم تترك اليهود وسيلة.. ولم تدع للقاعدين عذراً.. فطرق الجهاد والاستشهاد مفتوحة أبوابها ولكن أين الرجال أصحاب النية الصادقة والعزيمة، انقطعت بك السبل إثر استشهاد رفقاء الدرب وبقيت وحدك دون اتصال أو عمل. فكنت كعادتك عملاقاً وكونت (مجموعة الإعدام القسامية) التي أرهقت اليهود وأعوانهم.

وغدا كل العملاء يتلفتون حولهم.. تنقبض قلوبهم.. تشخص أبصارهم لهول رؤياك أو ذكر اسمك حتى اقترن اسمك بالتطهير.. وقناعتك دوماً كانت أن  العملاء أشد خطراً وأكثر بلاءً، صدقت... (  لم تقعدك الدنيا ولا كثرة العيال وقلت بلغة الواثق، سأبقى هنا على الزناد اصبعي وكالجحيم مدفعي لن أغادر الأرض الحبيبة، ولن أعود لمنزلي).

أجبتهم بلغة الواثق العنيد (إلى لقاء ربي أمضي.. جواره خير منكم وقد اخترت الطريق)، حاصروك لأنك أكبر من الأغواء والإغراء... كلفوا المجموعات تلو المجموعات في البحث والتنقيب عن الشبح الرهيب.. فحاصرتهم وقذفت كره اللهب في أحضانهم، فتراجعوا خائفين وسقطوا مذعورين، وأيقنوا أنه لا سبيل إلى حصار الرجال الشهداء (مع وقف التنفيذ) لأنهم الجبال الشامخات، عشقت الموت واحتضنته حقيبة متفجرة، وقذفته ناراً في وجه الأوغاد.

ثم جئت على ميعاد.. جئت على ميعاد.. ميلادٍ جديدٍ.. ميلادٍ عظيمٍ.. فما أعظم حياة الجهاد، كنت دوماً تنتظر لحظة التفجير.. كنت تأبى الموت الطبيعي.. أو حتى الاستشهاد بالرصاص أو الذبح... كنت دوماً تقــــــول (لست أقل من إخواني الذين جهزتهم للتفجير، أيمن وأشرف و...).

انفجرت في لحظة.. أيقظ دوي انفجارك كل العالم.. وأعاد الفكرة بعد أن ذهبت السكرة واستيقظ الجمع الحالم.. فإذا السراب يلفهم وعيناك تحاصرهم.. وقطع لحمك تقذفهم ودمك النازف يكتب على كل الأزقة النور والبرهان على صدق الطريق وحسن التوجه لله رب العالمين، وأبى إخوانك الأحرار رفقاء الشوط الأخير إلاّ الرحيل معك، فحزم (حاتم) متاعه، وشد (سعيد) خطاه ليلحق بالركب.. إنه الفوز.. إنها الجنة وما أجملها من رحلة.. وأبى المتفجر انتقاماً (عماد) إلاّ اللحاق بركب العظماء، فكان شفاء الصدور المؤمنين بتفجيرات (خالد وعماد).. إنه الجهاد والاستشهاد... إنها حماس إشراقة أمل على طريق التحرير.. فسلاماً لك.. سلاماً لك أيها المتفجر ناراً وبركاناً... سلاماً لك وأنت تكتب تاريخاً جديداً.. سلاماً لك وأنت تعيد تصحيح الاتجاه لمن فقدوا البوصلة.. سلاماً لك وأنت تمنحنا الحياة..

وهكذا أومأ (كمال كحيل) برأسه وأشار على البعد علامة النصر.. فها هو الطريق الذي شقه يتواصل.. وها هي أحلى الأنغام يسمعها تدوي في (نتساريم وكفارداروم) وهو يستلقي بعيداً، هناك وإلى جواره ساعده الأيمن (حاتم حسان وسعيد الدعس).. ويومأ بابتسامه رقيقة نحو (عماد عقل) ينبأه فيها صدق الطريق وتواصل العطاء اللامحدود.

يعلمه أن غزة كما هي تعشق التواصل الدامي ولا يزعجها برد الانقطاع عن المجاهدين الأفذاذ.. يعلمه أنه ما ضاع الاتجاه وما فقدنا البوصلة...

نعم غزة جريحة وتئن ولكن لم يكن الرصاص والانفجار يخيفها.. فهي لا ترتعش وحيدة على شاطئ الخوف ولن تبكي وحيدة.. سوف يبكي الآخرون.. ولن تغرق غزة في البحر.. ولكنها سوف تصنعه..

أومأ كمال برأسه ونام.. نام كمال كحيل.. نام الجنرال الشهيد