في وسط حي (الشيخ رضوان) وبجوار موقف التاكسيات الرئيس كانت تقبع منجرة ضخمة يتردد عليها الزبائن من كل حدب وصوب يبغون منتج جيد، على يد النجار الماهر (سعيد) الذي تنامت سمعته الفنية لتتجاوز حدود (الشيخ رضوان).
ولم يكن أي شاب يحلم في ظل الواقع الاقتصادي المظلم من هذه النعمة التي هيأها الله لعبده.
ولكن ما بال (أبي حمـــــزة) يبدو في عملـــــه شارد الذهن كثيراً، وقد أكثـــر من إغلاق مصدر رزقه فــــي الأيام الأخيـــــرة، وعدد مـــــن الزبائن تكررت زيارته للمحل أكثر من مرة دون أن يجد (أبا حمزة) في موقعه.
كان حقاً (أبو حمــــزة) قد أعاد ترتيب الأولويات، فكان الجهاد في سبيل الله يحتل المرتبة الأولى وتسبق بحثه عن قوت عيالـــــه الذين ينتظـــــرون والدهم يعود لهم بالرزق الوفير بعد أن مّن الله عليه بتلك النعمــــــــة.
كما انعدم خروج (أبي حمزة) فجراً، حيث يؤدي هوايته التي ما انفك عنها منذ نعومة أظفاره حيث ينطلق إلى الفضاء الطلق حيث البراري يصطاد هناك ويتجه بعد ذلك إلى البحر حيث يؤدي هوايته المفضلة حين يغوص في أعماق بحر غزة بعد أن يكون قد أدى تمارين اللياقة البدنية، وكمال الأجسام التي كانت رياضته المفضلة، حيث يمتلك في منزله الأدوات الكاملة لهذه الرياضة، وينطلق عائداً على دراجته الهوائية يرعى طيور الزينة التي كانت تمنح منزله مزيداً من البهاء والجمال.
وقد كانت الفطرة السليمة الصافية معلم أساس في شخصية سعيد فقد دأب في رحلته اليومية هذه على ملاحقة مظاهر الفساد التي كانت تلجأ أحياناً إلى هذه المناطق النائية، وكم كان يشعر أنه يؤدي جزءاً من واجبه ويتمنى أن يؤدي هذه المهمة في واقع تنظيمي أكثر ترتيباً وقوة في ملاحقة مظاهر الفساد.
ويرى في شخصيته أكثر تأهيلاً للانتماء إلى تنظيم عسكري حيث عشق منذ صغره الألعاب النارية البلاستيكية، وتنفيذ لعبة العصابات وحرب الشوارع (عرب ويهود)، وكم تقدم الأطفال من منزل (أبي سعيد) تشكو قسوة (سعيد) في ضربهم إذا أمسك بهم كيهود في أحد أزقة (مخيم الشاطئ) حيث ولد (سعيد) في الثاني والعشرين من يوليو من العام ألف وتسعمائة وأربع وستين، وكم رحل (أبو سعيد) إلى الماضي القريب حيث هاجر من بلدة (حمامة) إلى (مخيم الشاطئ) حيث تنتشر خيام اللاجئين، ويحدث أبو سعيد هازئاً لو كان هناك عدد من الرجال مثل ولدي الصغير سعيد المشاكس لكان للهجرة قصة أخرى غير الرحيل الهارب عبر ساحل البحر، فيما طائرات اليهود تقصف جموع اللاجئين دون أن يجد الناس ما يدفع عنهم بطش يهود.
ولكن ها هو سعيد يؤدي الدور في أزقة المخيم حين يمثل دور المقاتل الفلسطيني الذي يطارد اليهودي وحين يمسكه يوسعه ضرباً حتى تأتي الأمهات تشكو بأس (سعيد)، وسعيد يردد ببراءة الأطفال... إنه يهودي ؟؟!!
وكم كانت المهارة الفنيــــــة العملية معلم شخصية الفتى (سعيد) مما ساهم في أن يتوجه إلى تعلم فن النجارة وصيانة الماكنـــــات ليصبح نجاراً فنياً يتقن صناعة الموبيليا والأبواب والشبابيك وكافـــة منتجات الخشب.
وقد ساهم ذلك بشكل كبير في المساهمة في المواقع الاقتصادي لأهله، ورغم زواج (سعيد) وتوارد البنين وتكوينه لأسرة لم يكن ليمنع التفكير المتواصل في الجهاد وامتشاق السلاح، فقد كان يمتلك إيماناً مطلقاً أن كرامة الشعب الفلسطيني لا تعود إلا بالجهاد وأن المقدسات المسلوبة غالية.. غالية وهي بحاجة إلى ثمن غالٍ، ليس أقل من الأرواح والدماء.
يتوج ذلك حب شديد للإسلام وانتماء عميق لمنهج السماء، ولم يكن هذا الحب بدافع حزبي أو نظرة فئوية بل كان حباً مجرداً يسمو فوق كل الأسماء.
ورغم ذلك فقد كان يرى في (كتائب الشهيد عز الدين القسام) نموذجاً رائعاً للعمل العسكري خاصة وأنهم يعملون تحت (راية لا إله إلا الله) ويرسمون تاريخاً ناصعاً من العمل العسكري الفذ، فبدأ عمله كجندي مقاتل في صفوف (كتائب القسام) بعد ملاحظة ما يتمتع به من سمات ومواصفات وحسن ولاء وعظيم طاعة، إضافة للروح المعنوية الوثابة، ونظراً للنشاط المتميز الذي برز به (سعيد) والكفاءات المتعددة والمهارات المتنوعة عدا عن قوة العزيمة والإرادة، فقد التحق بمجموعة سرية خاصة قريبة من الشهيد (كمال كحيل).
ومنذ اللحظة برز نجم جديد في صفوف (كتائب القسام)، نجم لا ترهبه المنون.. مقدام.. فعّال يمتلك مهارات متعددة تجاوزت العمل العسكري المجرد إلى أعمال الصيانة وتخرين الأسلحة. ومنذ اللحظة بدا (أبو حمزة) شارد الذهن دوماً همه الأول حماية الجهاد والمجاهدين والتقدم بهذه المسيرة الرائدة التي عشق أن يوفر لها كل سبل العلم والراحة والبذل.
وانطلق (أبو حمزة) بهذا الحجم من الإيمان الوهاج والعزيمة المتقدة والإبداع المتفوق والمهارة الفذة. انطلق يجوب أرجاء قطاع غزة في شتى ميادين العمل العسكري، فأخذ يشارك في تجهيز وإعداد العبوات الناسفة شديدة الإنفجار وتخزينها لاستخدامها في الوقت المناسب، والمشاركة بعد ذلك في زرع العبوات الناسفة، تلك في طريق المستوطنين وعلى الخط الشرفي في مدينة غزة خاصة، وتفجيرها في سيارات جنود الاحتلال، والمشاركة في التخطيط لعدد من العمليات عبر المراقبة ورصد الكمائن، وانتقاماً لمجزرة (إيرز) التي قتل فيها ثلاث جنود من قوات الأمن الفلسطيني، انطلقت مجموعة (أبي حمزة) تثأر لدم الشهداء فنفذت هجوماً على جيب عسكري كما قامت المجموعة بمهاجة سيارة مستوطن على مفترق الشجاعية.
وللابداع المتميز في تصنيع العبـــــوات وصيانة الأسلحة اختار الجهاز العسكــــري أن يختار (أبا حمزة) ليقــــوم بتدريب عدد من أعضاء (كتائب الشهيد عز الدين القسام) على هذه المهارات التي لا يتقنها الكثيرون. كان يؤدي (أبو حمزة) هذه الأدوار العظيمة الرائدة وهو مطمئن النفس قرير العين يظن الناظر إليه من بعيد أن حياته مقصورة على مهنته ومنجرته.
ويرى القريب منه أنه يخفي وراءه سراً كبيراً وهماً عظيماً وبدأ يتأخر في عمله والتزاماته تجاه الزبائن في المنجرة، حيث الأولوية للعمل الجهادي، فهو مشغول دوماً بهذه المهمة الجليلة.
كان يقف (أبو حمزة) خلف كل حدث، لا يُرى في مواقع الفداء والتضحية، ولا يُسمع يتحدث عن أعماله وإنجازاته ولا يهتف الجمع باسمه، فهو الفارس المجهول والجندي المتفوق الذي يتنقل بين جنبات العمل العسكري دون كلل أو ضجر، مدرباً ومعداً للعبوات وزارعاً لها ومطلقاً النار على دوريات الاحتلال، ثم صيانة هذه الأسلحة وتحركه خلف أدوات النجارة والعمل الفني الذي أتقنه يقابل الزبائن بابتسامته المعهودة معتذراً عن التأخير الطارىء في إنجاز أعمالهم. كان ينطلق (أبو حمزة) على أمل اللقاء الكريم مع الله تبارك وتعالى، فطالما ردد أمنيته الغالية في هذه الدنيا أن ينال الشهادة في عملية عسكرية ضد أعداء الله (اليهود).
وأن يدفع دمه مهراً للقدس والأقصى وفلسطين.. وتسمعه يردد دوماً أنها احدى الحسنيين النصر أو الشهادة... وإنني أرجو من الله أن تكون الشهادة. وكم ردد على مسامع من يثق بهم أنه يعشق الجهاد من أجل الاستشهاد.
كان ينطلق (الفارس المجهول)، مقتحماً كل الميادين حتى غدا بيته ملجأ المجاهدين وملاذ المطاردين من أعضاء (كتائب الشهيد عز الدين القسام).
ونظراً لتمتع (أبي حمزة) بالسرية غدا منزله الموقع الأول للمجاهدين وعتادهم وعبواتهم، والمخاطرة العالية تحتاج إلى رجل ذي مواصفات خاصة واستعداد مطلق.
كان يمضي اليوم الثاني من أبريل من العام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين بطيئاً مملاً، و(سعيد) يغدو ويروح قلقاً مضطرباً، فقد شُدد الخناق على المجاهدين، وها هو عدد منهم يأوي في بيته يومياً وتأخروا قليلاً في العودة، ولكنهم ها هم قادمون، تنهد (سعيد) واستراح وذهبوا إلى الموقع الجهادي المتقـــــدم في حي الشيخ رضوان، واستراحوا من وعثاء السفر في منزل (الفارس المجهــــــول)، و(أبو حمزة) يحتضن ولده الصغير (بلال) الذي يبلغ من العمر العام ونيف، فإذا بانفجار هائل يـــــدوي يزلزل أركان المنزل بأسره، ما الذي حدث ؟؟ سيارات اسعاف وقوات الأمن والدفاع المدنـــــي والجماهير تحتشد حيث تناثرت قطع اللحم والدماء في كل مكــــــان.
أجساد من تلك التي تناثرت متمزقة تشق سكون المرحلة في ظهيرة هذا اليوم الأغر، دماء من التي تسربت يين شقوق الأرض لتروي عطشها وتنبت غرسها... أرواح من تلك التي سكنت حواصل طير خضر وحلقت في عليين.
ها هو الشهيد (كمال كحيل) قائد المجموعة، والمطارد الأول في قطاع غزة يمتطي صهوة الانفجار ويرحل بعيداً... بعيداً عن هذا الضنك... وها هو (حاتم حسان) الفدائي الذي لا يشق له غبار والساعد الأيمن للشهيد القائد يتمزق فداءً وتضحية.. وها هو (بلال) ولد (أبي حمزة) يموت بين ذراعي والده والمجاهدان (أبو حمزة)، و(علي الصبّاح) ينقلان في حالة خطرة إلى مستشفى الشفاء بغزة، و(نضال دبابش) ينقل إلى المستشفى ويختفي ؟
موكب مهيب ينطلق وداعاً للشهداء.. وأبو حمزة يعاني من جراء اصاباته البالغة وحروقه الشديدة، وبعد أربعة أيام وفي السادس من أبريل من العام ألف وتسعمائة وخمس وتسعين تصعد الروح إلى بارئها تحتضنها الملائكة تختلف فيما بينها من يملك كرامة تلقى تلك الروح الوثابة المجاهدة من يلفها في ثوب العز والفخار، وينطلق بها إلى الملأ الأعلى، من ينقل البشارة بحجم تضحية الفارس المجهول.. النفس والولد والمال.. ما أعظمها من تجارة... ما أكرمها من شهادة.. ما أجله من موقف تقشعر له الأبدان... وتحنى أمامه الرؤوس إجلالاً وإكراماً لهذا البطل المسجى.أطبق الصمت حياءً على تلك الجموع الوافدة من كل مكان... أطبق صمت القبور إكراماً للفارس المجهول الذي ترجل على عجل ليرسم ملامح مرحلة جديدة... مرحلة معمدة بالدم المهراق على ثرى الوطن الحزين واللحم المتناثر في وجوه الغاصبين الكالحة... والوجوه المحروقة كي يضاء سماء الوطن بآيات العز والفخار في زمن الذلة والانكسار، وامتد خيط الضياء يربط بين السماء والأرض ويلفح الوجوه الكالحة يمزق صمت الصمت، وينادي البشير لم يعد الفارس مجهولاً... ها هو يتربع فوق كوكبة النجوم اللامعة في سماء الشهادة الوهاج.. يتربع بحجم التضحية وعظيم البذل..
وفي منزل متواضع أقامت فيه عائلة الشهيد بعد تهدم مكان منزلها.. سجى الجسد العملاق الذي ما طأطأ جبينه وما تراجع أمام التبعات الثقيلة والضريبة الغالية، ولكنه الثمن الغالي، جنة عرضها السماوات والأرض... تحلق الروح الوثابة في حواصل طير خضر.
وها هو الجمع المتدفق يستعد لتقديم التحية العسكرية للرجل الفذ وإعداد مراسم الوداع التي تليق بهذا الفارس المغوار. وينطلق الموكب المهيب في شوارع غزة يهتف للشهيد ويزفه إلى الحور العين، ينطلق الموكب وجمع الملائكة يحفه تتزاحم الأقدام في وداع البطل الذي غابت ملامحه، كما غاب اسمه في ثنايا العمل المخلص.
وإلى مقبرة الشهداء... يصل الموكب الكريم... وعلى بوابة المقبرة كان (كمال كحيل وحاتم حسان وبلال الدعس) ينتظرون قدوم الفارس المجهول فما عهدوا الحياة بدونه، قد كان لهم الأب والأم والأخ والصديق والجندي والمأوى والملاذ... كيف يقسمون لقمة العيش دون فارسهم المغوار، احتضنوه جميعاً، لقد تأخر عليهم، ولكنه لن ينقطع.. ما تعودوا منه إلا الاقدام والبذل والحضور الدائم، وها هو كعادته.. عانقوه جميعاً وأتموا جلستهم التي بدأوها في منزله، أتموها بعد أن استراحوا من وعثاء السفر وفازوا بالشهادة الغالية وشربوا من كؤوس الجنة، وتركوا هذه الأرض تغرق في أتونها وتحرق ذاتها، عاد الموكب بعد أن سلم الأمانة وأضيف نجم في السماء، وعبقت ظلال من الهدى والنور والرحمة الطريق الممتد من (الشيخ رضوان) إلى (مقبرة الشهداء)، ونصب سرادق العزاء إعلان الوداع للفارس الذي ما عاد مجهولاً، وتوافدت الألوف إلى سرادق العزاء تؤدي واجب التحية لمن يستحق التحية.
وبعد أيام العزاء أقيم حفل تأبيني ضخم لشهداء إنفجار الشيخ رضوان، ولازالت إلى الآن معالم البيت كما هي شاهد حي يعرفه القاصي والداني، ها هو المنزل الذي ترجل فيه (أبو حمزة)... ها هو المنزل الذي ضحى فيه (سعيد) بولده.. هذا هو المنزل الذي ضحى به (سعيد) من أجل الله... ربح البيع (أبا حمزة)... ربيع البيع (أبا حمزة).