اندفع الشهيد (علي العيماوي) وهو يحمل كل هموم الوطن ويعي كل أبجديات الطريق نحو الجنة... وحوى في قلبه كل آلام وآمال المخيم، وامتلأ شوقاً إلى لقاء الله تعالى، وتمترس بقوة خلف سلاح العوزي الرشاش الذي أودعه كل أسرار فؤاده ليحمل قلبه المشتاق على مفترق أسدود كان على موعد مع الشهادة...
كان هذا يوماً مشهوداً في حياة (عماد)... تبدلت بعده كل الأوليات لذلك الفتى الفطن الذكي... فهذا (علي) توأم روحه وشق نفسه يغدو إلى الطريق الممتد بين غزة واسدود ليرسم معالم الطريق في كل القلوب ويؤكدها في قلب عماد الذي غدا من يومها (أبو علي)، ونذر نفسه للعبادة المتواصلة وقراءة القرآن وقيام الليل حتى يأذن الله له بالوصول واللحاق بأخيه الشهيد (أبو حمزة)، وغدا (أبو علي) يتفقد الأطفال ويمنحهم الحلوى والهدايا اقتداءً بعلي... وخط قلم (عماد) رثاءه ليكتب كل خواطر قلبه للشهيد الحبيب (علي) فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم
" من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا "
(أبا حمزة)... يوم استشهادك يستفزنا جميعاً للقيام... يوم استشهادك يستفزنا جميعاً للمجد والطلقة... للثأر والانتقام، فلن يضيع دمك هدراً، ولن يضيع دم كل الذين سبقوا إلى الجنان... فشهادتنا مستمرة وقرباننا هو دمنا وأشلاؤنا، فالعهد لك بأن نجدده مع الله تعالى على المواصلة، فهذا هو الطريق الأوحد، فطريق الجنة مفتوح بلا حواجز ولن يكون الموت حاجزاً أبداً... لم يكن (عماد) الشاب ابن الرابعة والعشرين ربيعاً (لحظة استشهاده) ليقبل على الدنيا رغم اقبالها، فقد نذر نفسه لله تعالى وبقي يحيا على شوق لهذا اللقاء وطرق من أجله كل الأبواب حتى شاء الله تبارك وتعالى...
حصل (أبو علي) على دبلوم سمكرة في مدرسة الإمام الشافعي بغزة بعد أن أنهى الثانوية العامة في مدرسة ابن سينا الثانوية، وأتقن إضافة إلى السمكرة العديد من المهارات وعمل في شتى المجالات الحياتية، بالإضافة إلى امتلاكه لمكتبة متواضعة يقضي فيها جل وقته بين سطور الكتب الإسلامية متزوداً بغذاء الذكر الروحي والثقافي، وربما كان لهذه القراءة أثر عظيم في صياغة (عماد) بالقالب الأدبي المفكر، فقد كتب العديد من الخواطر والمقالات، كما أعد كتاباً حول حياة الشهيد (علي العيماوي) احياءً لروح أخيه الشهيد...
كان (أبو علي) يقضي جل وقته في العمل المفيد النافع، وان اجتمع في آخر نهاره مع أصدقائه في الحي ليمارس هواياته الرياضية وتجاذب أطراف الحديث...
كان يعود كثيراً بعد استشهاد على إلى أيام حياته الأولى وهو طفلٍ صغير هادئ متعاون متفوق... منحه الله تبارك وتعالى لأبويه سادساً لأشقائه البنين، إضافة إلى أربعة شقيقات، وكمعظم بيوت مخيمه (الشاطىء) الحالة المادية والاقتصادية متوسطة، وكان ذلك إضافة إلى طبع (عماد) الحر الأبي الذي يلزمه أن يعتمد على نفسه كثيراً في تحصيل رزقه واتمام دراسته، لذلك تراه ممارساً لكافة الأعمال ولا يؤخر فرصة للكسب من أجل مساندة والده في تحمل جزء من أعباء الحياة ومشاقها...
ولم يكن ذلك ليشغل الفتى الذي تجاوزت مسئولياته حدود عمره الزمني عن حفظ ما تيسر من كتاب الله تعالى والقيام بين يدي الله تعالى ومناجاته وصيام يوم شديد الحر استعداداً ليوم النشور. وربما اجتمعت كل هذه العوامل لينشأ (أبو علي) على الأخلاق الفاضلة والمكارم العالية، فلم يعرف طوال سنى حياته للفساد طريقاً، وقد أكسبه تحمل المسئولية مبكراً العمل المتواصل الدؤوب والصمت اللامحدود فنادراً ما تسمعه يتحدث، تشعر أنه يحيا أياماً منتظراً الموت... فقد بدا زاهداً رغم اقبال الشباب والحياة عليه، وبدا مفارقاً للدنيا وزخرفها، وكم عرض عليه الأهل الزواج فرفض متمنياً الزواج بالحور العين...
كل ذلك كان يعود إلى خاطره ويتجذر في مخيلته ويتساءل دوماً في نفسه عن سر وجوده، وما هي الرسالة التي يحملها، لذلك فقد تجذر في خاطره الإيمان العميق أن الإسلام أكبر وأعظم منا جميعاً... وإن علينا جميعاً أن نموت كي يحيا الإسلام، ولم يكن يخطر بباله أن الإسلام يتجسد في حركة أو حزب، بل يرى ذلك طريقاً لبلوغ الإسلام، وإنما يراه فكرة ومنهاجاً ودستوراً، لذلك تراه يرجع الأمر كله لدين الله تبارك وتعالى ولا يقدم مصلحة حزبية فوق مصلحة الإسلام العليا، تراه متردداً على أكثر من مسجد يستمع للجميع، وتجاوب مع كل الطروحات، ولكنه بقي مع الإسلام لا مع الأشخاص، لذلك فقد كان حقاً شهيد الوحدة الإسلامية، وكان يرى دوماً أن الإسلام فكرة ومنهاجاً لن تتجسد واقعاً على الأرض ما لم يلتزم أهل الإسلام بدينهم ويستقيموا خلف إمام واحد وراية واحدة، ورغم أن (أبو علي) قد التحق بحركة الجهاد الإسلامي في العام 1989م وعمل ضمن لجانها في (مخيم الشاطىء) إلا أن حبه لله ولقاءه به وعشقه للجهاد في سبيل الله تعالى وحلمه بالشهادة على هذه الأرض الطيبة، وشعوره اليقيني بضرورة رص الصف الإسلامي، فقد إلتحق (بكتائب الشهيد عز الدين القسام) ليحقق أغلى أمانيه (الشهادة في سبيل الله).
وربما قد فاجأ (عماد) الكثيرين باستشهاده وهو ضمن صفوف القسام، إلا أن سريته التامة وصمته المطلق الدافع الأكبر لهذه المفاجأة، فقد كان عماد من أولئك الرجال الذين آمنوا بشكل مطلق أن صدور الرجال مقابر الأسرار، عدا عن شعوره بالانتماء أولاً وأخيراً إلى الإسلام العظيم... وما كان يخفي هذا الانتماء، وحرص أيما حرص على الشهادة كما حرص على أداء دوره ورسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كان يحمل قلباً كبيراً لا يتسع إلا للطهارة والأخلاق الحميدة. وانعكس ذلك على حياته سلوكاً قويماً والتزاماً بمبادىء الإسلام وحرصاً على الوطن والقضية، وقد كان يحرص دوماً على ضرورة حفظ دماء الشهداء وعلى رص الصفوف والوحدة بين المسلمين والصبر على الأذى، وترك الدنيا وهجرة زخرفها، وما أكثر ما كان يحلم أن يوقف الله حياته لدينه ووطنه ودوماً تراه يردد مقولة (الشهيد سيد قطب) رحمه الله : " عندما نعيش لذواتنا فحسب تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما إذا عشنا لفكرة فإن الحياة تبدو طويلة عميقة " فسعى (أبو علي) دوماً أن يعيش لفكرة وأن يموت من أجلها.
وطوال سنى الانتفاضة المباركة ومراحلها المتعاقبة كان (أبو علي) في المقدمة من أولئك الأبرار الذين تشهد لهم أزقة المخيم بالشجاعة والإقدام، وقد اعتقل لذلك مرتين بتهمة رشق الحجارة، واقتيد إلى معتقل النقب الصحراوي ليضاف إلى جلده جلداً ويرتدي ثوب الانضباط والاتزان، كما تعرض إلى رصاص الاحتلال وجنوده مرتين لينزف دماً على أرض مخيمه الشاطىء منبئاً بالنزيف الأكبر في سبيل الله تبارك وتعالى.
هذا العطاء الصامت الدافىء، والالتزام المتفاني المخلص لن تكون له إلا نهاية واحدة كتلك النهاية التي خطها عماد لنفسه وحفرها بجسده ورسم حدودها بدمه ليكتب من جديد درب الوطن وحد المواجهة، ففي الثاني من أبريل من عام 1995م حين تمزقت أشلاء الشهداء (كمال كحيل وحاتم حسان وسعيد الدعس وولده بلال)، لم يتوقف نبض الجهاد في صدر عماد وهو الذي يحمل هم البؤساء ويعرف من هو (حاتم) " شقيقه قي درب القسام وابن مخيمه المقدام "، فبدأ بجمع خيوط ثوب الثأر ونسجها من جديد كيف لا يفعل ذلك وهو ابن الإسلام وجندي مقاتل في صفوف القسام، كيف لا يفعل وهو على أبواب ذكرى استشهاد رفيق دربه (على العيماوي).
تجمعت كل خيوط الثأر في يدى (أبي علي) وتشكلت في هيئة سيارة تزينت لتقله إلى عروسه من الحور العين التي طال انتظارها وزاد الشوق لها، وفي يوم العرس الموعود... يوم الأحد التاسع من ذي القعدة من عام 1415هـ الموافق للتاسع من إبريل من العام 1995م، استقل (أبو علي) سيارته المزينة إلى عروسه المنتظرة بشوق وشغف، وفي حوالي الساعة الثانية ظهراً كانت السيارة المزينة تصطدم بموكب عسكري لبني يهود في وسط قطاع غزة وبالقرب من مستوطنة (نتساريم)، ويدوي صدى الانفجار ويهز أركان إسرائيل ويمزق أشلاء يهود، وفي نفس الوقت تنفجر سيارة أخرى قرب (كفار داروم) لتزف الشهيد (خالد الخطيب) في نفس الوقت إلى الحور العين، وتعود الأمور إلى حالة التوازن أثر الانفجار في (حي الشيخ رضوان).
وبعد ساعات قلائل من رحيل الشهيد المقدام يُطرق باب آل الشهيد (عماد) ويتلقى الأهل خبر استشهاد ولدهم عبر مظروف به صورة الشهيد وعلى شريط فيديو قال الشهيد كلماته الأخيرة في وصيته فقال :
بسم الله الرحمن الرحيم
( الحمد لله رب العالميــــــن والصـــلاة والسلام على أشـــــــرف المرسلين سيدنا محمــــد وعلـــــــــى آله وصحبـــــه وســـــلم، ومــــن والاه إلى يــــــوم الديـــــن.... وبعـــد،،،،
الحمد لله القائل في محكم التنزيل بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون، وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم" والقائل : " انفــــروا خفافــــاً
وثـقـالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون "، وصدق رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم القائل : " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها " والقائل : " ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة، وكلمه يدمى، اللون لون الدم، والريح ريح مسك "، والقائل ما معناه : " إن الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ".
أجل أيها الإخوة الأحباب... إن الحياة بجوار رب العزة لهي أفضل وخير من أي حياة، والله إنها لبئس حياة يتحكم بها الطغاة المستكبرون، والله إنها لشهادة لا تنتهي في ساعة... لا تنتهي في ليلة... لا تنتهي، ولا يصل الحبيب إلى الحبيب إلا شريداً أو شهيداً.
أيها الإخوة الأحباب... أيها المجاهدون على ثرى فلسطين الطاهرة... يا أبناء الإسلام العظيم... أيها الشرفاء في كل بقاع الأرض... إن دماء الشهداء الذين سبقونا ما هي إلا منارات نستنير بها... نستنير بنورها... ما هي إلا بسمات تطبع على شفاه المحرومين... على شفاه أطفال الإسلام... على شفاه المستضعفين في كل بقاع الأرض ليؤكدوا للجميع أن الحياة حق للجميع ولتحرير المدينة والمخيم، والمسرى الأسير من قبضة جلادي المرحلة، أجل أيها الإخوة الأحباب... إن دماء الشهاداء هي التي تقودنا نحو فجر جديد، تبشر بانطلاقة... تبشر بثورة، فيها جرائم نكراء ترتكب بحق الإسلام... بحق أبناء الإسلام في كل بقاع الأرض، نأتي نحن الشهداء الأحياء بإذن الله رداً قوياً لنرد على علو وإفساد بني إسرائيل... على علو الكافرين والطغاة المستكبرين، يأتي الشهداء الذين سبقونا ويصرخون... يصرخ الشهيد القائد (هاني عابد)... يصرخ الشهيد القائد (عماد عقل)... يصرخ الشهيد (كمال كحيل)... يصرخ الشهيد (علي طالب العيماوي)، ويقولون أن لا خيار سوى خيار الدم، لا خيار إلا خيار الدم... الخيار الأطهر والعتيد نحو تحرير الأقصى وفلسطين... نأتي نحن الشهداء بإذن الله لنبين للأمة وقبل فوات الأوان... وقبل كل شىء... أن خيار الشهادة هو الخيار الأسلم، ونجسد الإسلام وعياً وثورة... آية وسيفاً... مصحفاً وبندقية.
أيها الإخوة الأحباب... نحن أبناء الإسلام سوف نبقى الصوت الذي يصرخ بشجاعة في مواجهة كل المفاهيم لكي تستيقظ الأمة من نومها، وسنبقى الرصاصة والبندقية التي تقاتل الاحتلال... وسنبقى شهداء التحرير ومجاهدي التحرير... شهداء الحرية ومجاهدي الحرية... وكلنا أمل بالمستقبل الآتي... إلى هذه المنطقة إلى فلسطين، ليس مستقبل الجبناء، ليس مستقبل المحكومين بل مستقبل الشهداء... مستقبل الشهداء... مستقبل الأمة الناهضة... مستقبل الأمة الواعية... مستقبل الشهداء الذين سبقونا بالأمس في حي الشيخ رضوان... مستقبل الحناجر الشجاعة... المستقبل الذي وعدنا به الله عز وجل.
وهو اليوم الذي سيقاتل كل المستضعفين والمؤمنين جميعاً إسرائيل، إلى أن يختبأ اليهودي وراء الشجر والحجـــــر، فيُنطق اللــــهُ الشجرَ والحجرَ، فيقول يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي ورائي تعال فاقتله.
أجل أيها الإخوة... المتخاذلون ينظرون إلى الأعلام الصهيونية ترفع في عواصم الدول العربية، أما المسلمون فستظل أعينهم تنظر إلى رايات الإسلام التي سترفع فوق باحات المسجد الأقصى فوق تلال وروابي فلسطين... ها نحن أبناء الإسلام أبناء الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس... أبناء (كتائب الشهيد عز الدين القسام) عقدنا العزم على بذل أرواحنا فداء للإسلام العظيم، ولنرسم معاً بدمنا طريق العزة والإباء ونصنع من جماجمنا وأشلائنا المجد التليد سلالمَ لا يرقاها إلا شهداء هذه المرحلة، سلالم شهداء هذه الأيام الدامية.
أيها الإخوة الأحباب... يا أبناء القسام... يا أبناء القوى الإسلامية المجاهدة " قسم " يا أبناء الجهاد والمقاومة... وصيتي لكم :
" أن تحفظوا دمنا... أن تسيروا على خطاه... فهو الدم الشاهد إلى يوم القيامة، وإلى كل من عرفنا أو طرح علينا السلام أو أخطأنا في حقه، أن يسامحنا ويدعو لنا أن يتولانا الله جميعاً برحمته وأن يرزقنا مرتبة الشهداء في سبيل الله، وإلى إخواني في حركتي الجهاد والمقاومة أن يوحد الله بين صفوفهم وأن يدعو إلى الوحدة دوماً، فالهجمة الغربية لا تفرق بين حماس وبين جهاد، فلا فرق أيها الإخوة الأحباب بين الشهيد والشهيد، وأن يسامحوني وأن يتخذوا من دمي رمزاً للوحدة الإسلامية.
وإلى إخواننا في السلطة الوطنية الفلسطينية أن يحفظوا إخوانهم في حركتي الجهاد الإسلامي وحماس، وأدعو الله إلى الوالد والوالدة أن يلهمهم الصبر والثبات وليس بوسعي إلا أن أهنئهم باستشهادي إن شاء الله.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، بسم الله الرحمن الرحيم " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين " صدق الله العظيم
أخوكم في كتائب الشهيد عز الدين القسام
عماد محمـــــود سليمـــان أبو أمونة
9/4/1995م
نظر آل الشهيد إلى ولدهم عبر شريط الفيديو وتمعنوا به جيداً فإنهم لن يروه بعد ذلك إلا في الجنة بإذن الله، فقد كان الخبر مفاجأة كبيرة لهم، ورغم ذلك ما قالوا إلا (إنا لله وإنا إليه راجعون). استقبلوا الخبر بكل صبر وثبات ودعا له الجميع بالفوز الكبير في جنة عرضها السموات والأرض، فقد كانت حلم حياته، وقال شقيقه " لا نكاد نصدق أنك فارقتنا، ولم نكن نتصور أن تفارقنا بهذه الطريقة.
وقد استجاب أهله على الفور لوصيته وقاموا بمسامحته والدعاء له، وطافت عليهم روح الشهيد تلقي عليهم فيه العز والفخار والشموخ وتذكروا جميعاً بسمته الهادئة وطاعته الكاملة وخلقه القويم، وعينيه اللتين ترحلان بك بعيداً عن الدنيا، وغيرته الشديدة على دينه ووطنه، وقد بكى أطفال الحي الذين طالما جمعهم يوزع عليهم الحلوى ويروي لهم حكايات الأبطال الشهداء وحكاية (أبي حمزة) وأعماله البطولية.
وقد أُقيم للشهيد سرادق عظيم فور وصول نبأ استشهاده ولم يكن حينها سرادق عزاء (حاتم) قد انفض في ذات المخيم، وقد توافد الناس أفراداً وجماعات إلى حفل العزاء كي تشارك في شرف وداع بطل الثأر المقدام وشهيد الوحدة الإسلامية.
وفي اليوم الرابع لاستشهاد البطل (عماد) أقامت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حفل تأبين للشهيد، توافدت إليـه الجماهير من كل حدب وصوب، وفي ساحة ميدان الشهداء في المخيــــم أقيم الاحتفال الختامي لزفاف الشهيـد (عماد) إلى الحور العين وسط أهازيج النشيد الإسلامــي وآيات الذكر الحكيـم ورائحة المسك تعبق المكان بعد أن ساقتهــــا الرياح من موقع الشهادة إلى موقع التأبين.
رحل الآخرون إلى دنياهم وبقي (عماد) طيفاً وذكرى وقدوة ومدرسة لكل أهل الدنيا، قال لهم كلنا راحلون فلنرحل بشموخ وعز وإباء، لماذا تصرون على الغوص في الأوحال والطين والتشبث بالسراب الكاذب، وزرع لهم بدمه ولحمه وعظمه في كل بيدر سنبلة للشهادة كي يقتفوا أثره، ورسم بأشلائه الممزقة على كل القلوب " من يعش لذاته يعيش صغيراً ويمت صغيراً، ومن يعيش لفكرة فإنه يعش كبير ويمت كبيراً "... هكذا جسد (أبو علي) أبجديات إيمانــــــــه، فكان حقاً كبيراً عظيماً تسامى بشموخ ليتجاوز حدود المكان والزمان وليفتــــح مجدداً بوابة السماء بيد مضرجة بالدم وروح وثابة لا تعشق سوى الإسلام... والإسلام فقط.
وها أنت يا (عماد) تحاول أن تكون علياً فتعمل بإخلاص وتفاني... تبتسم رغم ما تحمله في داخلك من هموم وشجون... تواظب على تلاوة القرآن وصيام النوافل... تحمل الحلوى للأطفال مقتدياً بعلي... وتزور قبره كل خميس... وتتمنى اللقاء... ها أنت اليوم تستشهد... فتلقى " علياً " في الجنة إن شاء الله... تمضي وكلك ثقة بأنك على الحق وأنك تسير في الطريق الأصوب... وتختار الجهاد الطريق الأطهر منهجية...
مبارك قيامك يا عماد ضد الهزيمة والصمت