مركز غزة للدراسات و الاستراتيجيات
تاريخ النشر : 2017-07-24
صناعة العلماء الشجعان.. سبيل خلاص الأمة من الذل والهوان
صناعة العلماء الشجعان.. سبيل خلاص الأمة من الذل والهوان

بقلم: خليل حمادة

باحث في مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات

 

لا يكاد المرء يصدق ذلك المشهد شديد السواد لأمتنا المسلمة، لولا أن تقنيات العصر الحديث تأتينا بما لم يحط بعلمه أجدادنا الأوائل، وأسلافنا السابقون، بالصوت والصورة، لحظة بلحظة، لتضع ذلك المشهد الموغل في الانحطاط والضياع أمام أسماعنا وأبصارنا، لتفرض علينا تحديات جسام، ومسئوليات عظام كي نضع النقاط على الحروف، ونقف عند مسئولياتنا بعزيمة وصلابة حتى نسهم في إصلاح الخلل، وإبراء العلل.

نرى في هذه الصورة المحزنة، والمثيرة للغضب أحيانا وللاشمئزاز أحيانا أخرى صورة ذلك العالم الجبان الذي ترتعد فرائصه، وتختلج عظامه عندما يلوح له عسس السلطان بالسبابة، فيرسم لهم ابتسامة عريضة، وينطلق لسانه السليط الممتهن لحرفة الوعظ والإرشاد بما يشرح قلب السلطان، ويخدر قلوب العامة بالحديث عن فضل الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفضائل التسبيح، وذكر فضل قراءة بعض السور في أوقات معينة، في وقت تدنس فيه أقدس مقدسات الأمة، وتذبح فيه تلك الأمة من مشارق أوردتها إلى مغارب شرايينها، بل وتنهب فيه مقدرات الأمة وثرواتها جهارا نهارا وتوضع في يد عدو الأمة الحضاري الأكبر "اليهود والنصارى" على هيئة "كاش" بمليارات الدولارات.

لا أتحدث في مقالي هذا عن العلماء الخونة الذين باعوا دينهم بدنيا غيرهم، وباعوا ضميرهم وأمانتهم بأعراض تافهة لطالما حدثوا الناس في مواعظهم عن تفاهتها، وأن الدار الآخرة هي دار البقاء، وهي لمن صبر على البلاء؛ فأمثال هؤلاء مفضوحون في كل محك تمر به الأمة، وتبدو خيانتهم وفجورهم في كل مفترق طرق، وفي كل نازلة من النوازل.

إنما أتحدث هنا عن ذلك الصنف من العلماء، الذي يخشى أن يقول كلمة الحق في وقت تعصف فيه الخطوب بالأمة، وتنزل بها الحوادث الجلل، لا لشيء إلا لجبن في قلبه، وخوار في نفسه، وخشية على فوات شيء من حطام الدنيا، أو أن يذوق بعضا من سياط سلطان جائر في زنزانة معتمة.

لقد حدثنا التاريخ عن حوادث مشابهة مرت بها أمتنا، تمايز فيها العلماء الشجعان الأقلة عن الغثاء الجبان الكثير، من أبرزها فتنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه، وهو الذي تميز بشجاعته عن غيره من العلماء الذين يضاهونه، مثل يحيى بن معين وغيره ممن لم ينالوا شرف تلك الشجاعة والصمود في وجه الظلم والقهر، تلك الشجاعة التي أجمعت الأمة كلها أنها كانت سببا في درء أعظم فتنة مرت على الأمة وقتها، وصان الله بشجاعة الإمام أحمد عقيدة الأمة إلى يومنا هذا.

كذلك يحدثنا التاريخ عن شجاعة الإمام العز بن عبد السلام الذي لقب ببائع الأمراء، تلك الشجاعة التي أحدثت تغييرا جذريا في ذلك الجيل والذي خرج فيه صلاح الدين وجمع شتات الأمة وقادها لتحرير بيت المقدس بنصر عزيز مؤزر. كما يحدثنا التاريخ أيضا عن شجاعة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي شهد سجن القلعة على تلك الشجاعة بعبارته الشهيرة: "إن سجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة"، كما عايشنا شجاعة الشيخ الشهيد أحمد ياسين الذي أرهب السجن والسجان بحركات رموش عينيه، وأسس أكبر حركة مجاهدة في عصرنا الحاضر، كما هو الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي رفض الوقوف لمدير سجن النقب الجنرال شانتئيل، ولم تهتز فيه شعرة، وعوقب في الزنازين الانفرادية.

إن أمتنا اليوم أمام تحد خطير، عليها أن تبدأ فيه باستشعار أهمية زراعة بذور الشجاعة والجرأة في قول الحق في قلوب النشء من طلاب العلم في كل محطات طلب العلم وأماكنه؛ فإن صناعة عالم واحد أو نصف أو ثلاثة أرباع عالم شجاع وجريء في قول الحق، هو أفضل للأمة من آلاف العلماء الجبناء الضعفاء الذين يُهشون بدرة سلطان أو ملك لا يكاد يجيد قراءة أحرف اللغة العربية، ولا يجيد تلاوة آية واحدة من كتاب الله!

إن تلك العملية تقتضي تربية النشء على استشعار قيمة الحرية وجمال معناها، وروعة ممارستها في كل مناحي الحياة، متمثلة في مقولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعمرو بن العاص وابنه رضي الله عنهما: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، كما تقتضى تربية النشء على التخلص من النفاق الاجتماعي، والتملق والتزلف للمسئول، وتربية النشء على الجرأة في قول الحق دون خجل أو وجل، تلك الجرأة المنضبطة بالضوابط الأخلاقية والشرعية، وصقل الشخصية بطابع الشجاعة الاجتماعية لتمكينها على المواجهة العقلانية الهادفة، والتي من شأنها ترسيخ عملية الإصلاح السياسي لأنظمة الحكم التي ينخر الفساد في عظامها، وعدم المداهنة مع ذلك الفساد والقائمين عليه من المتنفذين والمسئولين.

إن أمتنا اليوم بحاجة إلى تلك الصناعة التي هي أشرف الصناعات، صناعة العالم أو الرجل الجريء الشجاع في قول الحق، مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله." رواه الحاكم - وصححه - والخطيب، وصححه الألباني.

إن هذه الصناعة كفيلة بأن تعيد الأمة إلى سالف مجدها وسؤدد عزها وشرفها، وتكون كما أرادها الله خير أمة أخرجت للناس.