ونحن في مطلع عام دراسي جديد وأكثر من مليون طالب في الضفة الغربية وقطاع غزة يلتحقون بمقاعد الدراسة, ورغم الجهد الكبير المبذول في مسيرة التعليم وحال الاستقرار النسبي الذي تحقق مؤخراً والرغبة الجامحة في التطوير والتجويد إلا أن العديد من نقاط الضعف بحاجة إلى علاج وإصلاح، ويعتبر تدني مخرجات التعليم أبرز نقاط الضعف, علاوة على الفجوة بين التعليم العام والجامعي, وعدم القدرة على مواكبة ثورة المعرفة والتكنولوجيا, وضعف التعليم التقني, وعدم توفر نظام تقييم ذاتي.
الحديث عن التعليم في فلسطين ذو شجون، فالمعلمون يحرصون على إكمال المقررات الدراسية لتجنب المساءلة الإدارية ربما فقط، والتهاون في وقت التعليم نال من الوقت المخصص للمسيرة التعليمية، وبذلك لم تستكمل المقررات الدراسية حتى بدا الطالب أدنى من مستواه بسنة أو مرحلة كاملة تقريباً، وهذا التراجع الخطير في كمية التعليم ونوعيته صدم شعبنا بعنف حتى أصبح النظر إلى مناهج اليوم مشابهاً إلى حد بعيد لوسائل محو الأمية لدى طلاب فاتهم الزمن. وكان سالفاً التباهي بكثرة الخريجين الجامعيين, مع العلم أن هناك أزمة خريجين من الناحية الكمية والنوعية، حيث فائض كبير في خريجي الكليات النظرية وندرة في الكليات العملية.
ولعله من الأفضل قبل الخوض في تفصيلات مشكلات العملية التعليمية وسبل الإصلاح أن نعرض محاور العملية التعليمية وذلك لوضع النقاط على الحروف وتحديد مواطن الخلل.
والعملية التعليمية المتوازنة تقوم على خمسة محاور أساسية:
إلا لا تنـــــــال العــلــــم إلا بستـــــــــة
سأنبيـــك عن تفصيلها ببيــان
ذكاء وحرص واصطبار وبلغة
وإرشـــاد أستـــاذ وطـول زمــان
هذه المحاور الرئيسية لعملية التعليم بنظرة سريعة فاحصة حول مدى الانضباط في تطبيقها في واقع العالم العربي ستدرك السبب الحقيقي في ضرورة العمل الجاد لتطوير قطاع التعليم.
فالكتب المدرسية والتي تمثل المنهاج تخلو من الإبداع والحوافز وتخاطب الفئة المتوسطة من الطلاب، والمعلومات في الكتب بحاجة إلى مراجعة في بعضها.
أما المعلم، عدد من المعلمين, المدراء والمشرفين لا يملكون الكفايات اللازمة وبعض المعلمين لا يستطيع أن يحدد مدى استعداد طلابه للتعلم أو إثارة دوافعهم لذلك أو تقييمهم بغير القلم والورقة، ومدراء تمحور اهتمامهم بشكليات الرقابة الإدارية، والمشرفون لا يقدر بعضهم على صنع قرار تربوي أو وضع خطة إصلاح تعليمية. والمعلم في كل ذلك لا يستطيع تنفيذ أساليب التعليم العلاجي أو أساليب التعليم الإبداعي للوصول بالطلاب إلى حالة ممتازة من العلم والرقي.
أما الطالب، فقد نشأ ضعيفاً كنتيجة طبيعية لما سبق ونتيجة الكثافة الطلابية داخل الفصل الدراسي، هذا عدا عن وجود نظام الدراسة فترتين (صباحية ومسائية) في بعض البلدان، مما يضغط الفترة الزمنية، وهذا لا يسمح بتوفر فرصة زمنية للتعليم مما يؤثر على مستوى الطلاب، مع اعتماد امتحانات الورقة والقلم فقط لقياس المستويات دون اعتبار لقدرات الطلاب في المدرسة وخارجها مما دفع الكثير من الطلاب إلى جريمة الغش، كما أن إنزال الناس منازلهم حسب شهاداتهم ومراكزهم لا حسب علومهم وأخلاقهم دفع الطلاب إلى جريمة الغش كذلك.
أما على صعيد البيئة الاجتماعية، فقد غاب دورها المهم بشكل ملحوظ خاصة دور البيت والأسرة المنسق من خلال مجالس الآباء الفاعلة الواعية مع المدرسة وذلك بتطبيق برامج تعليمية وخاصة في حال الطلاب المتميزين سواء سلباً أو إيجاباً. واعتماداً على ذلك يمكن القول إن التزام كل محور دوره ومسؤوليته وسده الثغر الذي يحميه يمثل سداً لهذه الفجوة الهائلة ولوضعنا أقدامنا على طريق علمي تعليمي صحيح.
وحتى تنضج الأمور ونقف على حقيقة القضية التعليمية، ولأجل المساهمة في إصلاح عملية التعليم في فلسطين، لا بد من تحديد مقترحات عملية لإنقاذ المسيرة التعليمية، وحيث أن هذه المسيرة جديرة بالاهتمام النوعي والعمل الجاد الممنهج، ولكنها مد بشري وكل فرد فيها يمثل مسيرة من التطلعات والقدرات ولا بد لهذا المد الهادر من توجيه رشيد صوب هدف واحد أخذاً بأسباب التعليم كوسيلة لأشرف حياة على يد قادة تربويين أكفاء مخلصين، وهذا قد يساهم في حل معضلة التعليم في العالم العربي عبر هذه المقترحات:
ولعلنا بعد هذه المقترحات نقف أمــــــام سؤال كبيــــر كثيراً ما يتــــردد عند كل مشكلة في واقعنا الفلسطيني: ما هي العقبات التي تقف حائلاً دون تحقيق هذه المقترحات؟
بالتأكيد توجد عقبات تحول بشكل واضح دون تحقيق الكثير من الأماني والتطلعات المتعلقة بالعملية التعليمية، فهناك عقبات على صعيد المؤسسات وعلى صعيد العاملين وعلى صعيد الطلاب:
والتغلب على هذه العقبات ضرورة استراتيجية ملحة للسير قدماً في مسيرة التعليم ومسألة التعليم حساسة ومهمة ويجب أن ينفق في سبيلها كل غالٍ ورخيص، فأبناؤنا الطلبة رأس مالنا وإن كان مستقبلهم اليوم بأيدينا فغداً بأيديهم، فكيف سيكون حالنا إن تركناهم فريسة للجهل والارتجال والعشوائية؟
وإن حلاً شاملاً لهذه المعضلة التعليمية الخطيرة لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها، فلا بد من عمل دؤوب يتخطى كل العقبات، ولذا يجب أن نعيش المشكلة التعليمية بكل كياننا وجوارحنا لأن القراءة أكسير الحياة والطلبة زينتها والمعلم نبضها، ولكن المؤلم اليوم أن مثقفينا يعيشون عيشة (العظاميين) الذين يتباهون بمآثر أبائهم وأجدادهم ولا يعيشون عيش (العصاميين) الذين يشقون طريق المجد بأنفسهم.
فما أحوجنا في هذه الأيام إلى أنظمة تعليمية رائدة تصنع المعلم الكفء وترعى الطالب الذكي وتبني المنهاج الغني وتجعل من أهدافها بناء الفرد العالمي الذي يشارك في صنع الحضارة الإنسانية...
ما أحوجنا إلى أجهزة إدارية راشدة تضع الخطط للمستقبل وتُعِد لكل طارئ عدته، ما أحوجنا هذه الأيام إلى المعلمين المخلصين الذين يقضون أوقاتهم في محاريب العلم يبحثون ويجربون والذين يحدبون على طلابهم حدب الطبيب على مرضاه، وعندها سنقول للبشرية جمعاء أن أحفاد الخوارزمي والرازي والغزالي قد استفاقوا من سباتهم وهبوا من غفلتهم وأخذوا بأسباب النجاح التي أخذ بها أجدادهم.
حقاً لا بد من إرهاصات للتغيير، ولسنا بحاجة إلى عواطف وانفعالات وإنما يكفينا إقامة نظام قيمي في داخل كل واحد منا – أفراداً وجماعات – نجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار وفي قمة الأولويات، ننظر فيه على القراءة أنها أكسير الحياة... وإلى التعليم أنه عامل من عوامل البقاء... وإلى الطالب أنه رأس مالنا وأملنا في غدٍ مشرق عزيز، وننزل فيه الناس منازلهم لا بحسب مناصبهم وشهاداتهم وإنما بحسب علومهم وآدابهم وأخلاقهم.
حينها سنقف في مصاف الشعوب الحية نشرب مما نعصر ونأكل مما نطحن ونلبس مما ننسج، والأمر ليس صعباً ولكنه لا يأتي عفواً ولا بد من شد العزائم، ونكون حينها وضعنا أقدامنا على طريق المجد الذي سار عليه سلفنا العالم الصالح...
والله ولي التوفيق،