مسيرة العودة الكبرى والإنجازات العظمى

مسيرة العودة الكبرى والإنجازات العظمى
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

تشكل غزة وملاحمها وصمودها منعطفاً هاماً ورئيساً في فهم وإدراك الشعوب وقدرتها والجماهير وتطلعاتها، وأثبتت أن المراهنة عليها عين الصواب، ولم يعد خافياً أن مخزون العزة والكرامة الذي تبحث عنه الشعوب وجدت ضالتها فيه بغزة ورجالها ونسائها وأطفالها ومقاومتها وهم يصمدون ويقاتلون وينتصرون ولعدوهم ومحتل أرضهم يذلون، وهم يخرجون رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً إلى حدود غزة المسيجة بالدم، يتنسمون عبير البلاد تنفيذاً جمعياً لحق العودة، مجسدين ملحمة جديدة عنوانها مسيرات العودة الكبرى.

ومن المؤكد أن الثبات والانتصار في ميادين النزال له ثمن، وقد دفع الشعب الفلسطيني ومقاومته ثمناً باهظاً وضريبة عالية من دمه ودموعه وآلامه وبيوته ومساجده ومصانعه وكل جوانب مقومات حياته .. بنفس راضية وثبات أسطوري وعزة شامخة..

وكذلك فإن للثبات والصمود والانتصار ثماراً ونتائج وهذا بيت القصيد في هذه المرحلة الدقيقة حيث تبرز خيوط المؤامرة وتتكامل لمنع هذه الثمار عن غزة وأهلها. ومن نافلة القول أن تمام النجاح والانتصار باغتنام ثماره وتثبيت وقائع جديدة وإدارة هذه المرحلة الحرجة لغزة بحكمة وشجاعة يعظم مكاسب المقاومة وتستثمر نتائج الصمود والثبات بشكل كامل وتحولها إلى واقع في حياة الصابرين في غزة بكسر عاجل للحصار رغماً عن المتآمرين، وتحقيقاً لمعادلة وطنية ثابتة.

المقاومة الشعبية:

ما ثبت جزماً في ملحمة غزة بحق العودة عبر مسيرة العودة الكبرى في ذكرى يوم الأرض 30مارس2018م أن فعل المقاومة الشعبية مُجدٍ، ويمكن أن يأتي بثمار طيبة للشعب الفلسطيني، ويمكن أن تستعيد الحقوق، لذلك فإن المطلوب الآن أن يتعاظم لقاء القوى الفلسطينية لصياغة مشروع التحرير والخطوات المتفق عليها وطنياً في هذا المضمار ضمن برنامج مقاومة شاملة، وما يتضمنه ذلك بالضرورة من تحشيد فلسطيني أولاً وعربي ثانياً ودولي ثالثاً لصالح فلسطين ومشروع تحريرها وعلى رأس ذلك المؤمنون بالحرية للإنسان والتحرر من الطغيان من جماعات وأفراد على مدى البسيطة. وما يتضمنه ذلك من خطوات وتكتيكات سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية بحيث  ينتقل الشعب الفلسطيني بشكل سلس ومتدرج ليكون بكل فئاته ضمن برنامج المقاومة مهما تباينت مساحات العمل واختلفت وجهات النظر، وعلى قاعدة نعمل سوياً فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا عليه، وما نتفق عليه كثير وعلى رأسه القدس وحق العودة للاجئين.

وبالتأكيد فإن غزة (أيقونة المقاومة) التي تخضع لحصار ظالم يساهم فيه العدو والصديق تحتاج إلى مشاريع عمل تعزز من قدرتها على الصمود، والعمل المستمر في شتى المساحات سواء إسكانياً بتعمير المناطق الحدودية بعد إشغالها بالحشود لمدى زمني ممتد، وذلك عبر فلسفة الإسكان المقاوم، أو اقتصادياً بتعزيز اقتصادها وتطوير بنيتها التحتية وتعضيد واقعها بمزيد من اللحمة الخارجية والعمق التطويري.

وإن كان ذلك لا يكفي وحده للمضي في مشروع التحرير فإن علينا أن نوسع فضاء المقاومة لينطلق من كل الجبهات وخاصة ضفة الإباء والتحدي في مواجهة الكيان ومرحلياً بتعزيز وقدرتها على الخروج من شرنقة التنسيق الأمني الخانقة.

الجبهة الداخلية:

لقد ساق الله هذا الفتح الرباني والإحتشاد الشعبي الملحمي والكرامة الإلهية لتحمل رسالة المضي قدماً في برنامج المقاومة الشاملة ليتحول إلى مشروع تحرير وعدم الالتفاف إلى سفاسف الأمور ولكن هذا المشروع يحتاج إلى تطوير ضمن نظرية أمنية مكتملة الأركان تحقق حماية المواطنين والشعب بتوفير وسائل ردع للعدوان تمنع الاحتلال من الإيغال في دماء المدنيين السلميين مع توفير بنية تحتية مساندة وحامية بقدر المستطاع للشعب، ودون الوصول إلى حافة الهاوية نحو عدوان مستعر جديد.

مارست (إسرائيل) عدواناً همجياً سبقه وما زال حصار خانق للشعب الفلسطيني ومن المهم أن تكون الرسالة واضحة بأنه غير مسموح (لإسرائيل) أن تستمر في سياستها الظالمة بحصار غزة، وفتح المعابر الخطوة الأكثر تعبيراً عن إنهاء حقبة من الحصار الظالم. وفي المقابل فإن (إسرائيل) تسعى لتقليل مكاسب الشعب الفلسطيني عبر المقاومة بالسلوك اليومي والإجرائي لإدارة المعابر، وعبر التنكر لحق العودة عبر صفقة ترامب بشطب حق اللاجئين في العودة وإنهاء الأونروا.

ومن الضروري في هذا السياق أن يحدث تغير في منهجية عمل السيد عباس ليواكب المستوى المتصاعد للشعب الفلسطيني في الأداء والصمود على قاعدة أن ما لم بالمفاوضات البائسة يمكن أن يحققه بالسياسة، بالمراهنة على الشعب الفلسطيني ووحدته، وتحقيق مصالحة جادة ومسؤولة لا تتنكر لغزة وتضحياتها، وألا يستمر في تكريس نهجه الذي سقط بتلاشي حل الدولتين مما يخلق تباين مريع في المواقف الفلسطينية، والسياسة كالميدان معركة لا بد من الانتصار فيها لصالح مشروع المقاوم الشاملة، ومنها السلمية التي يدعو لها السيد عباس.

إن إزالة أثار الدماء وتضميد الجراح من الأولويات القصوى عبر تقديم الدعم الضروري والعاجل وتوفير الدعم للعائلات المكلومة وهذا يحتاج إلى تسخير كل الطاقات لتحقيق هذه الأولوية العاجلة جداً مع السعي بسرعة قصوى لإطلاق مشروع الإحتضان الدائم بتوفير مورد مالي لكل أسرة بالطريقة التي تحفظ الكرامة وتصون النسيج وتدفع غول البطالة.

إن إنجاز الإحتشاد الأسطوري للشعب الفلسطيني وانتصار المقاومة الشعبية في ميادين النزال يقتضي الحديث بلغة جمعية " نحن الشعب الفلسطيني " و " المقاومة " وليس باسم تيار سياسي أو جهاز عسكري، مع معالجة التباين الدائر في مفردات الخطاب الإعلامي وتوحيده عبر مكتب إعلامي موحد وبسياسة إعلامية مصاغة بعناية بوصلتها تحرير فلسطين ومرحلتها احتشاد شعبي سلمي موحد تحت راية فلسطين فقط، مع الاستمرار في حالة التحشيد والتعبئة شعبياً لصالح هذا المشروع.

المصالحة الوطنية:

إن توقيع اتفاق المصالحة مثَّل مدخلاً مهماً وضرورياً ولكن للأسف مازال مشروع المصالحة يواجه عقبات جمَّة اختفت خلال الأيام الماضية بفعل الحضور الغزي على حدود أرضه التاريخية وألا يطفو على السطح بشكل غير وطني أي سلوك نشاز.

والمطلوب وطنياً أكثر من أي وقت مضى وفي ظل التحدي والدماء والآلام والقتل المضي قدماً في تطبيق بنود المصالحة بقيام حكومة الوفاق بدورها في غزة بشكل كامل، وعقد الإطار القيادي لمنظمة التحرير كمدخل لإعادة بناء منظمة التحرير، وأن يقوم المجلس التشريعي بدوره لحين اجراء الانتخابات للتشريعي والوطني التي تشمل الضفة وغزة والشتات ومع آليات واضحة وضمان نزاهة كاملة.

إن لم يتحقق ذلك فمن الضروري الذهاب للخيارات الأخرى ومنها ما لوح به السيد عباس بحل السلطة وتسليم مفاتيحها واعتقد من الملائم جداً بلورة قيادة للشعب الفلسطيني عبر توافق وطني يضم المجموع الفلسطيني مع العمل لتوفير عناصر الثقة الداخلية والعلاقات الخارجية، وهذه القيادة تمثل مجلس قيادة الثورة الفلسطينية المستمرة.

ولعل التحول اللافت في ملحمة عبر مسيرة العودة الكبرى والاحتشاد الشعبي السلمي الهائل والاستعداد العالي للتضحية والوقوف الكامل إلى جانب المقاومة الشعبية ومشروعها ومن ذلك شخصيات ومؤسسات وتيارات وطنية وهذا يستدعي المبادرة لإشراك جميع ألوان الطيف الفلسطيني ليس فصائلياً وحسب بل ومؤسسات وشخصيات ونقابات وقطاعات خاصة وقطاعات أهلية.

وما يصاحب ذلك من انفتاح على جميع قطاعات شعبنا الفلسطيني وتعضيد العلاقات البينية وتمتين مشروع المصالحة والاستمرار فيه، ومن ثم دراسة الملفات الكبرى ومنها حل السلطة وبناء منظمة التحرير كمرجعية فلسطينية جامعة.

العلاقات الخارجية:

إن ملحمة غزة عبر #مسيرة_العودة_الكبرى أكدت حالة الوعي الشعبي بالمخاطر التي تتعرض لها القضية الفلسطينية رغم المخاض الذي يعيشه الإقليم ومشروع صفقة ترامب الإجهاض للثوابت الفلسطينية إلا أنها ليست كافية ولذا فإنها تحتاج إلى تعزيز من زاوية المزيد من التحشيد ومن ثم الاستثمار عبر مجملات تعبوية شعبية وتوفير من خلال ذلك الدعم والإسناد الشعبي العربي الذي مثَّل ركيزة مهمة في بعض المراحل من الصراع.

وكذلك على الصعيد الرسمي فإن الحاجة قائمة لتعضيد العلاقة مع عدد من الدول ومنها دول أمريكا اللاتينية بما يمثل رصيداً لصالح القضية، وبالتالي ليس المطلوب الالتجاء لأحلاف نقيض أخرى ولكن تعضيد عموم العلاقات على أساس من مصلحة الشعب والقضية أن تكون القضية عامل توحيد وليس عامل استقطاب وتثبيت الاستراتيجية الجامعة " نحن مع الجميع طالما تحققت مصلحة القضية ولسنا جزء من أي محاور".

ومن ذلك تعزيز العلاقة الضرورية مع مصر والبناء على دورها في الوساطة لتحقيق مصالحة مسؤولة سواء في ملحمة غزة الأخيرة أم في عقد صفقة جديدة لوفاء الأحرار أو اتفاق 2012م. وبالتأكيد فإن من المهم ملاحظة انعكاس ذلك على معبر رفح الذي يعتبر تيرمومتر هذه العلاقة بحيث يكون مفتوحاً لجميع الناس كل الأوقات وأن يتطور إلى معبر تجاري.

والعلاقات الخارجية لا تعني التعامل الرسمي فقط بل تنفتح شعبياً ورسمياً على المحيط الخارجي، وكذلك من المهم فتح قنوات وتعضيد علاقات مع أحزاب وحركات ومؤسسات وشخصيات عالمية لأن غزة مثلت مركزية تضامن عالمي ونقطة استقطاب رئيسية.

وهذا يستدعي استمرار حالة التضامن مع غزة بأشكال وطرق متعددة عبر توظيف حالة التعاطف العالمي اليوم. وهنا لا بد أن يبرز دور للسفارات والممثليات والقناصل الفلسطينية التي بهت صوتها إلى درجة عدم ذكر وجودها. وبالتأكيد فإن هذا التضامن يعتبر مدخلاً رئيساً لمحاكمة مجرمي العدوان، وهذا الدور القانوني يحمل عبئه مؤسسات الشعب الفلسطيني الحقوقية في الخارج والداخل.

في الختام:

إن #مسيرة_العودة_الكبرى لها ما بعدها وإن عملية الاستثمار لنتائجها وتداعياتها بيت القصيد الذي يجب أن يراهن عليه الشعب الفلسطيني سياسياً وميدانياً وعمرانياً واجتماعياً واقتصادياً وقانونياً وهذا يحتاج مزيد جهد ووضوح رؤية تترجم دماء طاهرة وجراحاً نازفة وأشلاء ممزقة وآلاماً مبرحة إلى معطيات ووقائع تصنع غداً فلسطينياً متوهجاً لا ينطفئ يُسقط صفقة ترامب، ويعيد الاعتبار لحق العودة، ويحيي الأمل للمشروع الوطني الفلسطيني الذي أصابه الكثير من التهتك في ظل النزعة الفصائلية والأحادية لإدارة المشهد الفلسطيني.